فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
لأكون مع الصادقين

تأليف

الدكتور محمد التيجاني السماوي

فهرست عناوين
     المقدمة9
القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة وعند الشيعة الأمامية ألإثني عشرية 11
السنّة النبوية الشريفة عند أهل السنّة والجماعة وعند الشيعة الأمامية 15
العقائد عند الشيعة وعند أهل السنة والجماعة 24
العقيده في الله تعالى (عند الطرفين) 25
العقيدة في النبوة (عند الطرفين) 29
العقيدة في الإمامة (عند الطرفين) 35
رأي أهل السنة والجماعة في الخلافة ومناقشته 42
     1 ـ ولاية علي في القرآن الكريم45
     2ـ أية البلاغ تتعلق أيضاً بولاية علي47
آية إكمال الدين تتعلق أيضا بالخلافة 63
مناقشة القول بأن الآية نزلت يوم عرفة 69
     العنصر المهم في البحث83
     حسرة وأسى99
شواهد اخرى على ولاية علي 105
تعليق على الشورى 111
الإختلاف في الثقلين 115
     2 ـ إختلاف المذاهب في السنّة النبوية125
     3 ـاختلاف السنّة والشيعة في السنّة النبوية126
القضاء والقدر (عند أهل السنة) 133
عقيدة الشيعة في القضاء والقدر 141
تعليقة على الخلافة ضمن القضاء والقدر 147
الخمس 149
العقائد التي يُشنّعْ بها أهل السنة على الشيعة 159
العصمة 165
عدد الأئمة (الإثني عشر) 171
علم الأئمة 173
البداء 177
     التقية183
المتعة أو (الزواج المؤقت) 191
القول بتحريف القرآن 199
الجمع بين الصلاتين 209
السجود على التربة 217
الرجعة (العودة الى الحياة) 221
الغلو (في حب الأئمة) 225
المهدي المنتظر 231
المصادر 241
     كتب التفسيــــــــــــــــر241
     كتب الحديث242
     كتب التاريخ243
     كتب السيرة243
     كتب مختلفة244

سلسلة الرحلة الى الثقلين (15)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وكونوامع الصادقين (التوبة 119)

الحمد لله رب العالمين المتفضّل علينا بالهداية والعناية والتمكين والمنعم على عباده بكل خير وسعادة ليكونوا صالحين مَنْ تَوكّلَ عليه كفاه وحفظه منْ كيدُ الشياطينْ ومَنْ تنكبَ عَنْ صراطه فهو من المخذولين.

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ناصر المستضعفين والمظلومين حبـيب المساكين الذين آمنوا بالله رغبة فيما أعده سبحانه لعباده الصادقين..

وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين أعلا الله مقامهم على سائر المخلوقين ليكونوا قدوة العارفين ومنار الهدى وسفينة النجاة التي من تخلّف عنها كان من الهالكين..

.. ثم الرضا والرضوان على أصحابه الميامين الذين بايعوه وناصروه ولــم يكونوا من الناكثين وثبتوا بعده على العهد وما بدّلوا وما إنقلبوا وكانوا مـــن الشاكرين وعلى من تبعهم بإحسان وسار على هديهم من الأولين والآخرين الى قيام يوم الدين.


6

رب اشرح لي صدري ويَسرْ لي امري وأحللْ عقدةً من لساني يفقه قولي رب وأفتحْ بصيرةَ كل من يقرأ كتابي على الحقيقة التي تهدي بها عبادك المخلصين.

أما بعد فقد لقيّ كتابي «ثم إهتديت» قبولاً حسناً لدى القرّا ء الأعزّاء الذين أبدوا بعض الملاحظات الهامّة حول موضوعات متفرقة في الكتاب المذكور وطلبواالمزيد من التوضيح في المسائل التي إختلف في فهمها كثيراً من المسلمين سنّةًوشيعة ومن أجل رفع اللَبسْ والغموض عن ذلك لمن أراد التحقيق والوقوفعلى جَـلّية الأمرِفقد ألّفتُ هذا الكتاب بنفسِ الأسلوب الذي إتبعته هناك 'ليَسهل على الباحثِ المنصف الوصول الى الحقيقة من أقرب سبلها ' كما وصلـــتُاليها من خلال البحث والمقارنة، وقد أسميته ــ على بركة اللهــ (مع الصادقيـن) إقتباساً من قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

ومَنْ مِنَ المسلمين يرفض أو يزهد في أن يكون مع أولئكالصادقين ؟ !.

هذا ما إ‎‎‎‎‎قتنعتُ به شخصياً وما أحاول توضيحه لغيري ما إستعطتُإلى ذلك سبيلاً دون فرضً لرأيي بل ومع إحترامي لرأي غيري، فللّه وحده الهادي وهو الذي يتولى الصالحين..

وقد إعترض البعض على عنوان الكتاب السابق «ثم إهتديت» لإنطوائه على غموض قد بَعَثَ على التأملِ والتساؤلِ حول ما إذا كان الآخرون على ضلالة وما مدلول تلك الضلالة إن قُصد هذاالمعنى ؟ وعلى هذا الإعتراض أجيب موضحاً:

أولاً: جاء في القران الكريم لفظ الضلالة بمعنى النسيانقال تعالى:

قال عُلمُها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى

(1) وقال عَزّ وَجلّ: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهمـاالأخرى (2) . كما ورد في القران الكريم

(1)طه 52.

(2) البقرة 282.


7

لفظ الضلالة تعبيراً عن حالة التحقيق والبحث والتفتيش قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم: ووجدك ضالاً فهدى

(1) أي وجدك تبحث عن الحقيقة فهداك إليها والمعروف عن سيرته صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قبل نزول الوحي عليه كان يهجر قومه في مكة ليختلي في غار حرّاء الليالي العديدة باحثاً عن الحقيقة.

ومن هذا المعنى أيضاً قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(الحكمةُ ضالّة المؤمن أين ما وجدهاأخذها).

فعنوان كتابي الأول يتضمن هذا المعنى..

ثانياً: وعلى فرض أن العنوان يتضمن معنى الضلالة التي تقابل الهداية فيما نقصده على المستوى الفكري من إصابة النهج الإسلامي الصحيح الذي يضعنا على الصراطالمستقيم كما عقّب بعض القرّاء بذلك فليكن كذلك وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروحٍ رياضية بنّاءة، وَنفَسٍ موضوعيً خلاّق.. ينسجم في الفهم مع قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«تركتُ فيكم الثقلين كتابالله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».

فالحديث وا ضح وصريحفي ألإشارة الى ضلال من لم يتمسك بهما معاً «الكتاب والعترة».

وعلى كل حال فأنا مقتنع بأنني إهتديت بفضل الله سبحانه وتعالىالى التمسك بكتاب الله وعترة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فالحمد لله الذي هدانالهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحق.

فكتابي الأول والثاني يحملان عناوينَ من القرآن الكريم وهو أصدق الكلام وأحسنه وكل ما جمعته في الكتابين ـإن لم يكن الحق فهو أقرب مايكون إليه

(1)الضحى 7.


8

لأنه مما إتفق عليه المسلمون سنةً وشيعة وما ثبت عند الفريقين إنّه صحيح. فكانت النتيجة ولادة هـذينالكتابين بحمد الله «ثم إهتديتُ ولأكون مع الصّادقين».

والله أسأل أن يهدي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أجمعهم حتى يكونوا خير أمةٍ ويقودوا العالم بأسره الى النور والهداية تحت لواء الإمام المهدي المنتظرالذي وعدنا به جدّه صلى الله عليه وآله وسلم ليملأ الأرض عدلآ وقِسطاً بعد ما ملئتظلماً وجوراً وليتم نور الله ولو كره الكافرون.


9

المقدمة

بسم الله الرحّمن الرّحيم والصلاة والسلامِ على أشرف المرسلين سيّدنا ومولانا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد فإن الدين يعتمد بنحو أساسي على العقائد التي تكون منه مجموعة الإصول والمرتكزات التي يؤمن بها معتنقوا هذا الدين أو ذاك. والتي لابد أن يقوم إيمانهم بها على الدليل القاطع والبرهان الجلي الذي ينطلق من المسلمات العقلية التي يؤمن بها جميع الناسليتسنى له إقناعهم بما يدعوهم اليه ورغم ذلك فإنه ثمة أفكار يصعب على العالم تفسيرها.. مثلما يصعب على العقل التصديق بها عند الوهلة الأولى من ذلك مثلاً أن تكون ألـنار «بَرّداًوسَلاماً» في حين أن العلم والعقل يتفـقان على إنها حرارةٌ مهلكة، أو أن تقطَّع الطير الى أجزاء متناثرة فوق الجبال ثم تُدعى فتأتي تسعى في حين أن العلم والعقل يستبعدانذلكأو أن يُشفى الأعمى والأبرص والأكمه بمجرد مسح عيسى (ع)بلوإحياء الموتى في حين أن العلم والعقل لايجدان تفـسيراً لهذا.. وهي أمور تندرج في باب المعجزات التي أجراها الله تعالىعلى أيدي أنبيائه (عليهم السلام) وهي موجودة لدى المسلمين واليهود والنصارى..


10

وإنما أجرى الله سبحانه وتعالى تلك المعجزات والخوارق علي أيدي أنبيائه ورسله عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، ليُفهم العباد بأن عُقولهم قاصرة عن الإدراك والإحاطة بكل شيء، لأنه سبحانه لم يؤتهم من العلم إلا قليلاً، ولعلّ في ذلك صلاحهم وكمالهم النسبي، فقد كفر الكثير بنعمة الله وأنكر الكثير وجوده سبحانه، وأعْنَزَ الكثيرُ منهم بالعلم والعقل حتى عبدوهما من دون الله، هذا مع قلة العلم والعقل، فكيف لو أعطاهم علم كل شيء ؟!

ونظراً لأهمية العقيدة ومركزيتها في إيمان المسلم فإن كتابي هذا قد تناول جملة من العقائد الإسلامية التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفةوالتي كانت مسرحاً لإختلاف فرق المذاهب الإسلامية فَعَقدتُ فصلاََ خاصاََ بمعتقدات أهل السنة والشيعة في القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم تَطرقتُ بعدَ ذلك لسائرِ المسائلْ التي إختلفوا فيها وشنّعَ بعضهم على البعض الآخر بدون مبرر، هادفاً من ذلك بيانْ ما رأيته الحق، راغباً في مساعدة من يريد البحث عنه آملاً أن يساهم ذلك في قيام الوحدة الإسلامية على أساسٍ فكريَّ متين، والله أسأل أنْ يوفقنا جميعاً لما يُحبُ ويرضى ويجمع كلمة المسلمين على الصواب إنه عزيز قدير..


11

القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة وعند الشيعة الأمامية ألإثني عشرية

هو كلام الله المنزل على رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلّم، وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المرجع الأعلى للمسلمين في أحكامهمْ وعباداتهم وعقائدهم؛ من شكّ فيه أو أهانه فقد بريء من ذمة الإسلام، فهم ــ المسلمون كافة ــ متفقون على تقديسه وإحترامه والتعبّد بما ورد فيه..

ولكنهم إختلفوا في تفسيره وتأويله، ومرجع الشيعة في التفسير والتأويل يعود إلى النبي صلىّ الله عليه وآله وسلم وشروحات الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ومرجع أهل السنّة والجماعة يعود إلى أحاديث النبي صلىّ الله عليه وآله وسلم أيضاً ولكنهم يعتمدون على الصحابة ــ دون تمييز ــ أو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة في نقل الأحاديث وشرحها وتفسيرها..

وبطبيعة الحال نشأ من ذلك إختلاف في العديد من المسائل الإسلامية وخصوصاََ الفقهية منها، وإذا كان الإختلاف بين المذاهب الأربعة من مدرسة أهل السنة والجماعة ظاهراً، فلا غرابة في أن يكون بينهم وبين مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أظهر..


12

وكما ذكرت في مستهلّ الكتاب فإنني سوف لن أتطرّق إلا إلى بعض الأمثلة بغية الإختصار، وعلى من يريد البحث والإستزادة أن يغوص في أعماق البحر لإستخراج ما يمكنه من الحقائق الكامنة والجواهر المخفيّة !

يتفق أهل السنة مع الشيعة في القول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بَينَ للمسلمين كل أحْكام القرآن وفَسْرَ كل آياته، ولكنهمإختلفوا فيمن ينبغي الرجوع إليه بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بغية التعرّف إلى ذلك البيان والتفسير، فذهب أهل السنة إلى ألإعتماد على الصحابة ــ دون تمييز ــ ومن بعدهم الأئمة الأربعة وعلماء الأمة الإسلامية، أما الشيعة فقالوا: أن الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤهلون لذلك وصفوة من الصحابة المنتجبين، فأهل البيت (عليهم السلام) هم أهل الذكر الذين أمرنا الله تعالى بالرجوع أليهم في قوله عزَّ وجلَّ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) وهم الذين إصطفاهم الله تعالى وأورثهم علم الكتاب في قوله عزَّ وجَّل ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا (2) ولكل ذلك جعلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عِدْلَ القرآن والثقل الثاني الذي أمر المسلمين بالتمسك به فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«تركت فيكم الثقلين كتاب ألله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا»(3) .

وفي لفظ مسلم كتاب الله أهل بيتي ـ أذكركم الله في أهل بيتي قالها ثلاث مرات(4) .

(1) النحل: آية 43 تفسير الطبري ج14 ص 109 وتفسير إبن كثير ج 2 ص 570

(2) فاطر آية 32.

(3)أخرجه الترمذي في صحيحه ج 2 ص 329 والنسائي والإمام أحمد صحيح مسلم ج 2 ص 362 باب فضائل الإمام علي بن أبي طالب.


13

ومن المعلوم أن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا أعلم الناس وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم، وقد قال فيهم الفرزدق:

إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خيرُ أهل الأرض قيل هُمُوأسوق هنا مثالا واحداً للتذكيرِ بطبيعة الرابطة بين أهلِ البيت (عليهم السلام) والقرآن الكريم، فقد قال تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لَقَسم عظيم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهّرون (1)

فهذه الآيات تشير بدون لبس إلى أن اهل البيت(عليهم السلام) ــ وعلى رأسهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ــ هم الذين يدركون معاني القرآن الغامضة، لإنا لو أمعنـّا النظر في ألقَسَم الذي أقسَم به رب العزّة والجلالة لوجدنا مايلي: إذا كان الله تعالى يُقسم بالعصر وبالقلم والتين والزيتون فعظمة ألقَسَم بمواقع النجوم بينه لما تنطوي عليه من أسرار وتأثير على الكون بأمره سبحانه، ونلاحظ تعزيز القسم في صفة النفي والإثبات، فبعد القسم يؤكد سبحانه: إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون، والمكنون ما كان باطناَ ومستتراً، ثم يقول عّز وجـلّ: (لا يمسه إلا المطهّرون)، و(لا) هنا للنفي، ويمسه تعني يدركه ويفهمه وليس المقصود بها لمس اليد، فهناك فرقٌ بين اللّمسْ والَمسْ. قال تعالى إن الذين إتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون (2) وقال أيضاً عزّ مَنْ قائلوالذين يأكلون إلربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المَسْ (2) ، فالمس هنا يتعلق بالعقل والإدراك لا بِلمْسِ اليد، وكيف يُقسم الله سبحانه وتعالىبأن لا يلمس القرآن (باليد) إلا من تطهّر، والتاريخ يحدثنا بأن بعض الجبّارين قد عبثوا به ومزّقوه، وقد شاهدنا الإسرائيليين يدوسونه بأقدامهم ــ نستجير بالله ــ ويحرقونه عندما

(1)الواقعة: آية 75 ــ 79

(2) الأعراف: آية 201.

(3) البقرة آية 275.


14

إحتلّوا بيروت في إجتياحهم سيء الصيت، وقد نقلت أجهزة التلفزة عن ذلك صوراً بشعة ومذهلة. فالمدلول لقوله تعالى وطهّرهم، أنه معاني القرآن المكنون إلا نخبة من عباده الذين إصطفاهم وطهرهم تطهيراً، والمطهَّرون في هذه الآية اسم مفعول أي وقع تطهيرهم، وقد قال عزَّ وجلّ (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(1)

فقوله تعالى: ﴿ لا يمسّه إلا المطهّرون معناه: لا يدرك حقيقة القرآن إلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته (عليهم السلام)، ولذلك قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الإختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب إختلفوا فصاروا حزب إبليس»(2) .

وما يذهب إليه الشيعة في ذلك يستند إلى القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم المروية حتى في صحاح أهل السنّة كما وجدنا.

(1) الأحزاب آية 33

(2) أخرجه الحاكم في المستدركج / 149 عن إبن عباس وقال هذا حديث صحيح الإسناد


15

السنّة النبوية الشريفة عند أهل السنّة والجماعة وعند الشيعة الأمامية

هي كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أو فعله، أو اقرّه. وهي المرجع الثاني عندهم بعد القرآن الكريم في أحْكامِهمْ وعباداتهم وعقائدهم.

يضيفُ أهل السنّة والجماعة إلى السنّة النبوية سنة الخلفاء الراشدين الأربع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وذلك لحديث يروونه:

«عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي عِضّوا عليها بالنواجذ»(1)

وليس أدلّ على ذلك من إتباعهم سنّة عمر بن الخطاب في صلاة التراويح التي نهى عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(2) . والبعض منهم يضيفون إلى سنة الرسول سنة الصّحابة بأجمعهم (أي صحابي كان) وذلك لحديث ــ يروونه:

(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 126.

(2) صحيح البخاري 7 / 99 ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله.


16

«أصحابي كالنجوم بأيّهم إقتديتمإهتديتم» وحديث «أصحابي أمنةٌ لأمتي»(1) .

أما حديث أصحابي كالنجوم فهو لا ينسجم مع العقل والمنطق والحقيقة العلمية إذ أن العرب لم يكونوا ليهتدوا في مسيرهم الصحراوي لمجرد إقتدائهم بأي نجم من النجوم وإنما كانوا يهتدون بإتباع نجوم معيّنة محدّدة معروفة لهم أسماؤها، كما أن هذا الحديث لا تؤيده الأحداث اللاحقة والممارسات التي بدت من بعض الصحابة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فإن منهم من إرتد(2) . كما إنهم إختلفوا في كثير من الأمور ألتي سببت الطعن (بعضهم في بعض)(3) ، ولعن بعضهم بعضاً(4) ، وقتل بعضهم بعضاً(5) وأقيم الحد على بعض (الصحابة،) لشرب الخمر والزنا والسرقة وغير ذلك، فكيف يقبل عاقلٌ بهذا الحديث الذي يأمر بالإقتداء بمثل هؤلاء ؟ وكيف يكون من يقتدي بمعاوية الخارج على إمام زمانه أمير المؤمنين في حربه للأمام علي (عليه السلام) مهتدياً ؟ وهو يعلم أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم سّماه إمام الفئة الباغية(6) ؟ وكيف يكون من المهتدين من يقتديبعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبسر بن أرطأة وقد قتلوا الأبرياء لتدعيم ملك الأمويين. وأنت أيها القاريء اللبيب إذا قرأت حديث أصحابي كالنجوم يتبينّ لك أنه موضوع لأنه موجّه إلى الصحابة فكيف يقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يا أصحابي إقتدوا بأصحابي ؟ !..

أما حديث يا أصحابي عليكم بالأئمة من أهل بيتي فهم يهدونكم من بعدي فهو أقرب إلى الحق لأنه له شواهد عديدةتؤيده في السنة النبوية …

(1) صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة ومسند أحمد بن حنبل 4 / 398.

(2) كالذين حاربهم أبو بكر وسُمّوا بأهل الردة.

(3) كما طعن أكثر الصحابة في عثمان حتى قتلوه

(4) كما فعل ذلك معاوية الذي كان يأمر بلعن علي.

(5) كحروب الجمل وصفين والنهروان وغيرها.

(6)حديث «ويح عمار تقتله الفئة الباغية».


17

والشيعة الإمامية يقولون بأنّ المقصود بحديث «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي»» هم الأئمة الإثنا عشر من أئمة أهل البيتْ سلام الله عليهم وهم الذين أوجب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، على أمّته أن تتمسّك بهم وتتبعهم كما تتمسّك وتتبع كتاب الله(1)

ولمَّا آليتُ على نفسيفإنيلا أستدلُ إلا بما يَحتجّ به الشيعة من صحاح أهل السنة والجماعةفإني قد إقتصرت على ذلك، وإلا فإن في كتب الشيعة أضعاف ذلك وبعبارات أكثر صراحة ووضوحاً(2) .

على إن الشيعة لا يقولون بأن أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم لهم حقّ التشريع بمعنى أن سنّتهم هي إجتهادٌ منهم، بل يقولون بأن كل أحكامهم هي من كتاب الله وسنة رسوله التي علّمها رسول الله علياً وعلّمها علي أولاده فهو علمٌ يتوارثونه ولهم في ذلك أدلّةٌ كثيرة نقلها علماء أهل السُنّة والجماعة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم. ويبقى السؤال دائما يعود بإلحاح: لماذا لم يعمل أهل السنة والجماعة بمضمون هذه الأحاديث الصحيحة عندهم..؟؟؟

ثم بعد ذلك يختلفُ الشيعة والسنّة في تفسير الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسَلم كما سبق لنا توضيحه في فقرة إختلافهم في تفسير القرآن، بالنسبة لمعنى الخُلفاء الرّاشدين الذي ورد في حديثه صلّى الله عليه وآله وسلّم وصحّحه كلٌ من الفريقين، ولكن يفسّره السنّة على إنهم الخلفاء الأربعة

(1) صحيح الترمذي5 /326 صحيح مسلم2 /362 النسائي في الخصائص كنز العمال ج 1 / 44 ــ مسند أحمد بن حنبل 5 / 189 الحاكم في المستدرك ج 3 /148 الصواعق المحرقة لأبن حجر ص 148 الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 2 / 194 الطبراني ج 1 / 131

(2) أضرب لذلك مثلا واحدا: أخرج الصدوق في الإكمال بسنده الى الإمام الصادق عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (ص) الأئمة من بعدي إثنا عشر. أولهم علي وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي.


18

الذين إعتلوا منصّة الخلاَفة بعد رسول الله، ويفسّره الشيعة على إنّهم الخلفاء الإثنا عشر وهم أئمة أهل البيت سلام الله عليهم.

ذلك إنا نرى هذا الإختلاف شائعاً في كل ما يتعلّق بالأشخاص الذين زكّاهم القرآن والرسول أو أمر بإتباعهم، مثال ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«علماء أمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل» أو «العلماء ورثةُ الأنبياء»(1) .

فأهل السنّة والجماعة يعمّمون هذا الحديث على كل علماء الأمة بينما يخصّصهُ الشيعة بالأئمة الأثني عشر ومن أجل ذلك يفضلونهم على الأنبياء ماعدا أُولي العزم من الرسل.

والحقيقة أن العقل يميل الىهذا التّخصيص.

اولاً: لأن القرآن أورث علم الكتاب للذين إصطفى من عباده وهو تخصيص، كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصّ أهل بيته بأمور لم يُشركهم فيها بأحد، حتى سَّماهم سفينة النجاة وسمّاهم أئمة الهدى ومصابيح الدّجى والثقل الثاني الذي يعصم من الضلالة.

فظهر من هذا، أن قول أهل السنّة والجماعة يعارض هذا التخصيص الذي أثبته القرآن والسنة النبوية، وإن العقل لا يرتاح إليه لما فيه من الغموض وعدم المعرفة بالعلماء الحقيقيينّ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم، وعدم تمييزهم عن العلماء الذين فرضهم على الأئمّة الحكّام الأمويّون والعّباسيّون، وما أبعـد الفرق بين اولئك العلماء وبين الأئمة من أهل البيت الذين لايذكر التاريخ لهم إستاذاً تتلمذوا على يديه سوى أن يتلقّى الإبن عن أبيه ومع ذلك فقد روى علماء أهل السنة في علومهم روايات عجيبة وخصوصاً الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الرضا الذي أفحم بعلومه أربعين قاضياً جمعهم إليه المأمون وهو

(1)صحيح البخاري ج 1 كتاب العلم. صحيح الترمذي كتاب العلم أيضا.


19

لايزال صبيّاً(1) .

ومما يؤكد تميز أهل البيت عن غيرهم مايظهر لنا من إختلاف أصحاب المذاهب الأربعة عند أهل السنّة والجماعة في كثير من المسائل الفقهية بينما لا يختلف الأئمة الإثنا عشر من أئمة أهل البيت في مسألة واحدة.

ثانياً: لو أخذنا بقول أهل السنة والجماعة في تعميم هذه الآيات والأحاديث على كلّ علماء الأمّة لوجب أن تتعدّد الآراء والمذاهب على مرّ الأجيال و لأصبح هناك الآف المذاهب ولعلّ علماء أهل السنة والجماعة تفطّنوا لما لهذا الرأي من سخافة وتفريق لوحدة العقيدة فأسرعوا الى غلق باب الإجتهاد منذ زمن بعيد.

أمّا قول الشيعة فهو يدعو الى الوحدة والإلتفاف حول أئمة معروفين خصّهم الله تعالى والرسول بكل المعارف التي يحتاجها المسلمون في كل العصور، فلا يمكن لأي مدّع بعد ذلك أن يتقوْل على الله وعلى الرسول ويبتدع مذهباً يُلزم الناس بإتّباعه، فإختلافهم في هذه المسألة كإختلافهم في المهدي الذي يؤمن به الفريقان، ولكنّ المهدي عند الشيعة معلوم معروف أبوه وجدّه، وعند أهل السنّة والجماعة لايزالُ مجهولاً وسيولد في آخر الزمان ولذلك ترى كثيراً منهم أدّعى المهدية، وقد قال لي شخصياً الشيخ إسماعيل صاحب الطريقة المدنية بأنّه هو المهدي المنتظر، وقالها أمام صديق لي كان من أتباعه ثم إستبصر فيما بعد.

أمّا عند الشيعة فلا يمكن لأي مولود عندهم أن يدّعي ذلك وحتّى لو سَمّى أحدهم إبنه بالمهدي فهو تيمُّناً وتبرّكاً بصاحب الزمان كما يُسمّي أحدُنا إبنهُ محمداً أو علياً، وإن ظهور المهدي عندهم هو حدّ في ذاته معجزة لأنّه وُلِد منذ إثني عشر قرناً وتغيّبَ.

ثم بعد كل هذا قد يختلف أهل السنة والجماعة في معنى الحديث الثابت

(1)العقد الفريد لإبن عبد ربّه ــ والفصول المهمة لإبن الصباغ المالكي 3 / 42


20

الصحيح عند الفريقين حتى لو كان الحديث لا يتعلّق بالأشخاص ومن ذلك مثلاً حديث:

««إختلاف أمّتي رحمة»».

الذي يفسّره أهل السنة والجماعة: بأنّ إختلاف الأحكام الفقهية في المسألة الواحدة هو رحمة للمسلم الذي بإمكانه أن يختار أي حكم يناسبه ويتماشى مع الحلّ الذي يرتضيه ففي ذلك رحمة به، لأنّه إذا كان الإمام مالك مثلاً متشدّداً في مسألة ما، فإن بامكان المسلم أن يُقلدْ أبا حنيفة المتساهل فيها.

أمّا عند الشيعة فهم يفسّرون الحديث على غير هذا المعنى ويرون أن الإمام الصادق (عليه السلام) لّما سُئل عن هذا الحديث«إختلاف أمّتي رحمة» قال صدق رسول الله ! فقال السائل إذا كان إختلافهم رحمة فاجتماعهم نقمة! فقال الصادق: ليس حيثُ ذهبت ويذهبون (يعني في هذا التفسير) إنّما قصد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:إختلاف بعضهم إلى بعض يعني يسافر بعضهم الى بعض وينفر اليه ويقصده لأخذ العلم عنه وأستدلّ على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فلولا نَفر من كل فرقة منهم آية طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلّهم يحذرون(1)

ثم أضاف قائلاً فإذا إختلفوا في الدّين صاروا حزب إبليس.

وهو كما نرى تفسير مقنعٌ ولأنّه يدعو لوحدة العقيدة لا للإختلاف فيها(2) .

ثم إن الحديث بمفهوم أهل السنة والجماعة غير معقول لأنّه يدعو للإختلاف والفُرقةوتعدّد الآراء والمذاهب وكل هذا يعارض القرآن الكريم الذي يدعونا للوحدة والإلتفاف حول شيء واحدٍ: يقول سبحانه: وإن هذه أمتكم أمةً

(1) سورة التوبة: آية 122

(2) البسملة في الصلاة مكروهة عند المالكية وواجبة عند الشافعية ومستحبة عند الحنفية والحنابلة قالوا: بإ خفاتها صلّى في الصلاة الجهرية


21

واحدة وأنا ربكم فاتقونِ ويقول وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا (2) ويقول: ولا تنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم (3) .

فاي نزاع وأية تفرقة هي أكبر من تقسيم الأمّة الواحدة الى مذاهب وأحزاب وفرق يخالف بعضهم بعضاّ ويسْخر بعضهم من بعضٍ بل ويكفّر بعضهم بعضاً حتى يستحلّ بعضهم دم البعض الآخر، وهو ماوقع بالفعل على مرّ العصور، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك، هذا وقد حذّرنا سبحانه من النتائج الوخيمة التي تصير إليها أمّتنا إذا تفرّقت فقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين تفرّقوا وإختلفوا من بعد ما جاءهم البينات (4) إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء (5) ولاتكونوا من المشركين. من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون (6)

وتجدر الإشارة هنا بأن معنى شيعاً لا علاقة لها بالشيعة كما توهّم بعض البُسطاء عندما جاءني ينصحني على زعمه قائلاً: يا أخي بالله عليك دعنا من الشيعة فان الله يمقُتهم وحذّر رسوله أنْ يكون منهم ! قلتُ وكيف ذلك ؟ قال: إن الّذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لستَ منهم في شيء وحاولتُ إقْناعهُ بأن شِيَعاً معناها أحزاباً ولاعلاقة لها بالشيعة ولكنّه ومع الأسف الشديد لم يقتنع لأن سيّده إمام المسجد هكذا علّمه وحذّره من الشيعة فلم يعدْ يتقبّل غير ذلك

أعود إلى الموضوع فاقول بأني كنتُ في حيرة قبل إستبصاري عندما أقرأ حديث «إختلاف أمّتي رحمة» وأقارنه مع حديث:

(1)سورة المؤمنونآية 52.

(2) سورة آل عمران آية 103

(3) سورة الأنفال آية 46

(4) سورة آل عمران آية 105

(5) سورة الأنعام آية 159

(6)سورة الروم أية 21 ـ 22.


22

«ستفترق أمّتي إلى إثنتين وسبعون فرقة كلها في النار إلا واحدة»(1) .

وأتسائل كيف يكون إختلاف الأمة رحمة في نفس الوقت يوجب دخول النار ؟؟

وبعد قرائتي لتفسير الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بهذا الحديث زالت الحيرة وإنحلّ اللّغْزُ وعرفتُ بعد ذلك بأن الأئمة من أهل البيت، هم أئمة الهدى ومصابيح الدْجى وهم بحق ترجمان القرآن والسنه وحقيق بالرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أن يقول في حقهم:

«مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، لا تتقدموهم فتهلكوا ولا تتخلّوا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم»(2) .

وكان حقيق بالإمام علي (عليه السلام) أن يقول:

«إنظروا أهل بيت نبيكم فإلزموا سمتهم وإتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا» 3.

وقال (عليه السلام) في خطبة أخرى يعرف بها قدر أهل البيت (عليهم السلام):

«هم عيش العلم وموتُ الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم

(1) سنن إبن ماجة كتاب الفتن ج 2 / رقم الحديث 3993 مسند أحمد ج 3 ص 120 والترمذي في كتاب الإيمان. (2) الصواعق المحرقة لإبن حجر ص 139 وص 227 الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 132 مسند أحمد بن حنبل ج3 ص 17 وج 4 ص366 حلية الأولياء ج 4 ص 309 مستدرك الحاكم ج 3 ص 115 تلخيص الذهبي ـ المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 22. (3) نهج البلاغة للإ مام علي ج 2 ص 190.


23

عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لايخالف الحق ولا يختلفون فيه هم دعائم الإسلام، وولائج الإعتصام، بهم عاد الحق الى نصابه، وإنزاح الباطل عن مقامه، وإنقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدّين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية. فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل»(1) .

نعم، صدق الإمام علي فيما بيّنه فهو باب مدينه العلم، فهناك فرق كبير بين من عقل الدين عقل وعاية ورعاية وبين من عقله عقل سماع ورواية.

والذين يسمعون ويروون كثيرون، فكم كان عدد الصحابة الذين يجالسون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويسمعون منه الأحاديث وينقلونها بغير فهم أوْ علم فيتغيّر معنى الحديث وقد يؤدّي الى العكس الذي قصده الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وقد يؤدّي بعض الأحيان الى الكفر لصعوبة إدراك الصحابي للمعنى الحقيقي(2) .

أمّا الذين يعون العلم ويرعونه فقليلون جدَّاً وقد يُفني الإنسانُ عمره في طلب العلم ولايحصل منه إلاّ على اليسير، وقد يتخصّص في باب من أبواب العلم أو فنّ من فنونه ولا يمكنه أن يحيط بكل أبوابه، ولكن المعروفأن أئمه أهل البيت (عليه السلام) كانوا مُلمّين وعارفين بشتّى العلوم، وهذا ماأثبته الإمام علي كما يشهد المؤرخون وكذلك محمد الباقر وجعفر الصادق الذي تتلمذ على يده الآف الشيوخ من شتى العلوم والمعارف من فلسفة وطب وكيمياء وعلوم طبية وغيرها.

(1)نهج البلاغة للإمام علي3 / 439.

(2) مثال ذلك مارواه أبو هريرة من «إن الله خلق آدم على صورته» ولكن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أوضح الأمر فقال إن رسول الله صلّى الله عليه آله وسلم سمع رجلين يتسابان فقال أحدهما للآخر قبح الله وجهك ووجه من يشبهك فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «إن الله خلق آدم على صورته» أي إنك بسبك من يشبهه قد سببت آدم لأنه يشبهه.


24

العقائد عند الشيعة وعند أهل السنة والجماعة

مّما زاد قناعتي بأنّ الشيعة الإمامية هي الفرقة الناجية هو إن عقائدهم سمحت وسهلت القبول لكل ذي عقل حكيم وذوق سليم، ونجد عندهم لكل مسأله من المسائل ولكل عقيدة من العقائد تفسيراً شافياً كافياً لأحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، قد لا نجد لها حلاً عند أهل السنّة وعند الفرق الأخرى.

وسأتتّبع في هذا الفصل بعض العقائد وأهمّها عند الفريقين، وأحاول إبراز ما إقتنعتُ به، وأترك للقاريء حرية الفكر والإختيار والنقد والتجريح.

وألفت النظر إلى أن العقيدة الأساسية هي بالنسبة للمسلمين كافّةً عقيدة واحدة، وهي الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرّقون بين أحد من رسله كما يتفقُون في أن النار حق والجنة حق وأن الله يبعث من في القبور ويحشرهم جميعا ليوم الحساب.

كما إنهم يتفقون على القرآن ويؤمنون بأن نبيّهم محمد رسول الله، وقبلتهم واحدة ولكن وقع الإختلاف في مفهوم هذه العقائد فأصبحت مسرحاً للمدارس الكلامية ويرون فيها شتّى الآراء والمذاهب.


25

العقيده في الله تعالى (عند الطرفين)

وأهمّ مايذكر في هذا الموضوع هي رؤية الله تعالى فقد أثبتها أهل السنّة والجماعة لكل المؤمنين في الآخرة وعندما نقرأ صحاح السنة والجماعة كالبخاري ومسلم مثلاً نجد روايات تؤكد الرؤيا حقيقة لا مجازاً(1) . بل نجد فيها تشبيها لله سبحانه، وإنه يضحك(2) ويأتي ويمشي وينزل الى سماء الدنيا(3) بل ويكشف عن ساقه التي بها علامة يُعرف بها(4) . ويضعُ رجله في جهنّم فتمتليء وتقول قط قط الى غير ذلك من الأشياء والأوصاف التي يتنزّه الله جلّ وعلا عن أمثالها(5) .

وأذكر إنّني مررت بمدينة لآمو في كينيا بشرق أفريقيا ووجدت إماماً من الوهّابية يحاضر المصلين داخل المسجد ويقول لهم بأنّ لله يدين ورجلين وعينين ووجهاً، ولّما إستنكرتُ عليه ذلك قام يستدلّ بآيات من القرآن قائلا وقالت

(1)صحيح البخاري2 / 47 و5 /179/ و6 / 33.

(2) صحيح البخاري ج 4 / 226 وج 5 / 47 ـ 48 صحيح مسلم ج 1 /114 ـ 122.

(3) صحيح البخاري ج 8 / 197.

(4) صحيح البخاري ج 8 /182

(5) صحيح البخاري ج 8 /187 وفي صفحة 202 يثبت إن لله يد وإصابع


26

اليهود يد الله مغلولة غُلّتْ أيديهم ولعنوا بما قالوا بلْ يداه مبسوطتان … (1) وقال أيضاً وأصنع الفلك باعيننا … (2) وقال: كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك … (3) .

قلتُ: يا أخي، كلّ هذه الآيات التي أدليتَ بها وغيرها إنما هي مجازُ وليستْ حقيقة !

أجاب قائلاً: كل القرآن حقيقة وليس فيه مجازاً، قلتُ:إذن ماهو تفسيركم للآيه التي تقول: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى … (4) ، فهل تحملون هذه الآيات على المعنى الحقيقي ؟ فكلّ أعمي في الدنيا يكون أعمي في الآخرة ؟ أجاب الشيخ نحن نتكلّم عن يد الله وعين الله ووجه الله، ولا دخل لنا في العميان !

قُلت: دعنا من العميان فما هو تفسيركم في الآية التى ذكرتَها: كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك … إلتفت الى الحاضرين وقال لهم: هل فيكم من لم يفهم هذه الآيه ؟ إنّها واضحة جليّة كقوله سبحانهكل شيء هالك إلا وجهه (5) . قلتُ: أنت زدت الطين بلَّةً ! ياأخي نحن إنّما إختلفنا في القرآن، إدّعيتَ أنتَ بأنالقرآن ليس فيها مجاز وكلّه حقيقة ! وإدعيتُ أَنا بأن في القرآن مجازاً وبالخصوص الآيات التي فيها تجسيم لله تعالى أو تشبه، وإذا أصررت على رأيك فيلزمك أن تقول، بأن كل شيء هالك لولا وجهه معناه يداه ورجلاه وكل جسمه يفنى ويهلك ولا يبقى منه إلا الوجه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ! ثم التفتُّ الى الحاضرين قائلاً: فهل ترضون بهذا التفسير ؟ سكتَ

(1)سورة المائده آية 64.

(2) سورة هود آية 37

(3) سورة الرحمن آية27

(4) سورة الإسراء آية 72

(5) سورة القصص آية 88.


27

الجميع ولم يتكّلم شيخهم المحاضر بكلمة فودّعهم وخرجتُ داعياً لهم بالهداية والتوفيق.

نعم هذه عقيدتهم في الله في صحاحهم وفي محاضراتهم ولأقول أنَّ بعض علماؤنا ينكر ذلك ولكن الأغلبية يؤمنون برؤية الله سبحانه في الآخرة وإنهم سوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر ليس دونها سحاب ويستدلّون بالآيةوجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة (1) .

وبمجردّ إطلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك ويُسلّمْ عقلك بقبول تأويل الآيات القرآنيه ألتي فيها تجسيم أو تشبيه لله تعالى وحملها على المجاز والإستعارة، لا على الحقيقة ولا على ضواهر الألفاظ، كما توهمه البعض.

يقول الإمام علي _(عليه السلام) في هذا الصدد: «لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعتٌ موجودٌ ولا وقتٌ محدودٌ ولا أجل ممدودٌ …»(2) .

ويقول الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في الردّ على المشبّهة:

«بل كل ما ميّزناه بأوهامنا في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا مردود إلينا …»(3) .

ويكفينا في هذا ردّ الله سبحانه في محكم كتابه قوله: ليس كمثله شيء وقوله لا تدركه الأبصار وقوله لرسوله وكليمه موسى (عليه السلام) لمّا طلب

(1)سوره القيامة آية 23 هذه ألآية فَسّرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لأن الوجوه تكون يومئذ ناضرة بمعنى الحسن والبهجة والى رحمة ربّها ناضرة.

(2) نهج البلاغة شرح محمد عبده ج 1 الخطبة عدد 1.

(3) عقائد الإمامية.


28

رؤيته قال ربّ أرني أنظر اليك: قال: لن تراني وإن «الزمخشرية» تفيد التأييد كما يقول النحات.

كل ذلك دليل قاطع على صحة أقوال الشيعة الذين يعتمدون فيها على أقوال الأئمة من أهل البيت، معدن العلم وموضع الرسالة، ومن أورثهم الله علم الكتاب.

ومن أراد التوسّع في هذا البحث فما عليه إلا الرجوع الى الكتب المفصّلة لهذا الموضوع ككتاب «كلمة حول الرؤيا» للسيد شرف الدين صاحب المراجعات(1) .

كتاب المراجعات من الكتب التي يجب ان يقرأها كل من يريد التعرف على عقائد الشيعة الإمامية وأفكارهم


29

العقيدة في النبوة (عند الطرفين)

والخلاف الواقع بين الشيعة وأهل السنة في هذا الباب هو موضوع العصمة فالشيعة يقولون بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) قبل البعثة وبعدها، ويقول أهل السنة والجماعة بأنهم المعصومون فيما يبلّغونه من كلام الله فقط، أمّا فيما عدا ذلك فهم كسائر البشر يخطئون ويصيبون. وقد رووا في ذلك عدّة روايات في صحاحهم تثبتُ بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أخطأ في عدّة مناسبات وكان بعض الصحابه يصوّبه ويصلحه، كما في قضية أسرى بدر التي اخطأ فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأصاب عمر، ولولاه لهلك رسول الله …(1) ومنها إنه لما قدم المدينة وجد أهلها يُؤبرون النّخل فقال لهم: «لا تؤبّروه وسيكون تمراً» ولكنه جاء شيصاً، فجاؤه وشكوا له ذلك فقال لهم «أنتم أعلم بأمور دنياكم مني» وفي رواية أخرى قال لهم:

«إنّما أنا بشرٌ إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر»(2) .

(1)البداية والنهاية لإبن كثير نقل عن الإمام أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي.

(2) صحيح مسلم في كتاب الفضائل ج 7 / 95 ومسند الإمام أحمد ج 1 /162 وج 3 / 152.


30

ومرّة يروون إنّه سُحِرَ وبَقيَ أياماً مسحوراً لا يدري مايفعل، حتّى إنّه كان يخيّل إليه إنه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ(1) أو يخيّل اليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه(2) .

ومرهً يروون أنّه سها في صلاته فلم يدر كم صلّى من ركعة(3) وأنه نام وإستغرق في نومه حتّى سمعوا غطيطه ثُم إستقظ فصلّى بدون وضوء(4) .ويروون أنه يغضب ويسبّ ويلعنُ من لا يستحقّ ذلك فيقول:

«اللّهم إنّما أنا بشرٌ فأي المسلمين لعنته، أو سبيتُه فأجعله له زكاة ورحمة …»(5) .

ويررون أنه كان مضطجعاً في بيت عائشه كاشفاً عن فخذيه ودخل عليه أبو بكر وتحدّث معه وهو على تلك الحال، ثم دخل عمر وتحدّث معه وهو على تلك الحال، ولّما استأذن عثمان جلس وسوّى ثيابه، ولّما سألته عاشة عن ذلك، قال لها:

«إلا استحي من رجُلٍ تستحي منه الملائكه»(6) .

ويروون إنه كان يصبح جُنَّباً في رمضان(7) فتفوته صلاة الفجر، الى غير ذلك من الأحاديث التى لا يقبلها عقل، ولا دين، ولا مروءة(8) .

أمّا الشيعة ـ إستناداً الى أئمة أهل البيت ـ فهم ينزّهون الأنبياء عن هذه

(1) صحيح البخاري ج 7 /29

(2) صحيح البخاري ج 4 /68.

(3) صحيح البخاري ج 1 /123 وج2 /65

(4) صحيح البخاري ج 1 /37 وص 44 وص 171

(5) سنن الدارمي كتاب الرقاق.

(6) صحيح مسلم باب فضائل عثمان ج 7 /117.

(7) صحيح البخاري ج 2 /232 وص 234.

(8) صحيح البخاري ج 3 /114 وج 7 /96.


31

التّرهات وخصوصاً نبينا محمد عليه أفضل الصلاه وأزكى السلام يقولون بأنه منزه عن الذنوب والخطايا والمعاصي صغيرة كانت أم كبيرة، وهو معصوم عن الخطأ والنسيان والسهو والسّحر وكلما يخالط العقل، بل هو منزّهٌ حتى عمّا يتنافى مع المروءة والأخلاق الحميدة كالأكل في الطريق، أو الضحك بصوت عال أو المزاح بغير حق، أو أي فعل يستهجنُ عمله عند العرف العام، فضلاً عن أن يضع خده على خدّ زوجته أمام النّاس ويتفرج معها على رقص السودان(1) أو أن يخرج زوجته في غزوة فيتسابق معها فيغلبها مرة وتغلبه أخرى فيقول لها «هذه بتيك»(2) .

والشيعة يعتبرون الروايات التي رويتْ في هذا المعنى والتي تتناقض مع عصمة الأنبياء كلّها موضوعة من قبل الأموين وأنصارهم أولا. للحطّ من قيمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثانياً. لكي يلتمسوا عذراً لأعمالهم القبيحة وأخطائهم الشنيعة التي سجّلها لهم التاريخ، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطيءُ ويميلُ مع الهوى، كما رووا ذلك في قصّة «عشقه زينب بنت جحش لّما رآها تمشط شعرها وهي زوجة لزيد بن حارثة فقال: سبحان الله مُقلّب القلوب»(3) أو قصّة ميله الى عائشة وعدم عدله مع بقية زوجاته حتّى بعثنَ له مرّة مع فاطمة ومرّة مع زينب بنت جحش ينشدنه العدل(4) فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الحالة فلا لوم بعد ذلك على معاويه بن أبي سفيانومروان بن الحكم وعمرو بن العاص ويزيد بن معاوية وكلّ الخلفاء الذين فعلوا الموبقات وإستباحوا الحرمات وقتلوا الأبرياء.

والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أئمه الشيعة يقولون

(1)صحيح البخاري ج 3 /228 وج 2 /3 كتاب العيدين.

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 6 / 75.

(3) تفسير الجلالين في تفسير قوله تعالى / وتخفي في نفسك ما الله مبديه

(4) صحيح مسلم ج 7 /136 باب فضائل عائشة.


32

بعصمتة صلّى الله عليه وآله وسلم، ويأولون الآيات القرآنية التييفهمُ ظاهرها أن الله سبحانه عاتب نبيّه مثل «عبس وتولّى»» أو التي في بعضها إقرار الذنوب عليه كقوله ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وما تأخّر أو قوله لقد تاب الله على النّبي وعفا الله عنك لِمَ أذنت لهم .

وكلّ هذه الآيات لاتخدش في عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم فبعضها لم يكن هو المقصود بها وبعضها الآخر يحملُ على المجاز لا على ظواهر الألفاظ، وهو كثير الإستعمال في لغة العرب وقد إستعمله سبحانه في القرآن الكريم.

ومن أراد التفصيل والوقوف على حقيقة الأشياء فما عليه إلا الرجوع إلى كتب التفسير عند الشيعة أمثال الميزان في تفسير القرآن للّعلامة الطباطبائي وتفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية والإحتجاج للطبرسي وغيرهم لأنّني رُمتُ الإختصار وإبراز عقيدة الفريقين بصفة عامّة وليس هذا الكتاب إلا لغرض بيان قناعتي الشخصيه التي إقتنعتُ بها، وإختياري الشخصي لمذهب يقول بعصمة الأنبياء والأوصياء من بعدهم ويّريحُ فكري، ويقطعُ عني طريق الشكّ والحيرة.

والقول بأنه معصوم فقط في تبيلغ كلام الله قولٌ هُراءٌ لا حُجةَ فيه لأنّه ليس هناك دليلٌ على إن هذا القسم من كلامه هو من عند الله، وذاك القسم هو من عند نفسه، فيكون في الأوّل معصوماً ويكون في الثاني غير معصوم ويحتملُ فيه الخطأ.

أعوذ بالله من هذا القول المتناقض الذي يبعثُ على الشكّ والطعن في قداسة الأديان.

وهذا يذكّرني بمحاورة دارت بيني وبين جماعة من الأصدقاء بعد إستبصاري وكنتُ أحاول إقناعهم بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم، وكانوا يحاولون إقناعي بأنه معصوم فقط في تبليغ القرآن وكان من بينهم إستاذٌ من توزد (منطقه الجريد)(1) وهم مشهورون بالذكاء والعلم والنكتة

(1)منطقه الجريد بالجنوب التونسي تبعد عن قفصة 92 كلم وهي مسقط راس أبو القاسم الشابي الشاعر المعروف والخضر حسين الذي ترأس الأزهر الشريف والكثير من علماء تونس مولودون في هذه المنطقة.


33

الطريفة، ففكّر قليلاً ثمقال: «ياجماعة أنا عندي رأي في هذه المسئلة» فقلنا جميعاً: ـ تفضّل هات ماعندك ! قال:

ـ إنّ ما يقوله أخونا التيجاني على لسان الشيعة هو الحق الصحيح، ويجبُ علينا الإعتقاد بعصمة الرسول المطلقة، وإلا داخلنا الشك في القرآن نفسه !

ـ قالوا: ولم ذلك ؟ أجاب على الفور:

هل وجدتُم أيّ سورة من سور القرآن تحتها إمضاء الله تعالى ؟؟

ويقصد بالأمضاء: الختمُ الذي يختمُ به العقود والرسائل دلالة على هوية صاحبها وإنها صادرة عنه. وضحك الجميع لهذه النكتة الطريفة، ولكنّها ذاتَ معنى عميق، فأي إنسان غير متعصّب يتمعّن بعقله ستصدمه هذه الحقيقة ألا وهي: الإعتقاد بأنّ القرآن كلام الله وهو الإعتقاد بعصمة مُبلّغه المطلقة بدون تجزأة لأنّه لايمكن لأحد ان يدّعي بأنّه سمع الله يتكّلمُ ولا يدّعي احدٌ بأنه رأىجبرائيل عندما ينزل بالوحي.

والخلاصة أنّ قول الشيعة في العصمة قولٌ سديد يطمئنّ إليه القلب ويقطع وساوس النّفس والشيطان، ويقطع الطريق على كل المشاغبين وخصوصاً أعداء الدّين من اليهود والنصارى والملحدين الذين يبحثون عن ثغرات ينفذون منها لنسف معتقداتنا وديننا، والطعن في نبيّنا فتراهم كثيراً ما يحتجّون علينا بما أورده صحيح البخاري ومسلم من أفعال وأقوال تنسب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو منها بريءٌ(1) .

(1) أخرج البخاري في صحيحه ج 3 /152 في باب شهادة الأعمى من كتاب الشهادات قال: حدثنا إبن عبيد ميمون أخبرنا عيسى … عن عائشة قالت: سَمِعَ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم رجُلاً يقرأ في المسجد فقال: رحِمَهُ الله لقدْ أذكرني كذا وكذا أية أسقطتهنّ من سورة كذَا وكذَا …


34

وكيف لنا أن نقنعهم بأنّ كتاب البخاري وكتاب مسلم فيهما بعض الأكاذيب، وهذا الكلام خطير طبعاً، لأن أهل السنّة والجماعة لا يقبلونه فالبخاري عندهم أصحّ كتاب بعد كتاب الله !

(1) إقرأ وأعجب أيها القاريء من هذا الرسول ألذي يسقط الآيات، ولولا هذا الأعمى الذي ذكره بهنّ لكنّ في خبر كان ـ أستغفر الله من هذا الهذيان


35

العقيدة في الإمامة (عند الطرفين)

والقصد من الإمامة في هذا البحث هي الإمامة الكبري للمسلمين، أعني الخلافة والحكم، والقيادة والولاية.

وبما أنّ كتابي إعتمد في أبحاثه على المقارنة بين مذهب أهل السنّة والجماعة، والشيعة الإمامية لا بد لي من إبراز مبدأ الإمامة عند الفريقين، حتّى يتبينّ للقاريء والباحث ماهي الأسس والمعالم التي يرتكز عليها كلّ من الفريقين، ويعرف بالتّالي القناعات التي الزمتني بقبول التحوّل وترك ماكنتُ عليه.

فالإمامة عند الشيعة، هي أصل من أصول الدّين لما لها من الأهمية الكبرى والخطورة العظمى وهي قيادة خير إمة أخرجت للنّاس وما تقوم عليه القيادة من فضائل عديدة وخصائص فريدة أذكر منها، العلم والشجاعة والحلم والنزاهة والعفّة والزهد والتقوى والصلاح الخ.

فالشيعة يعتقدون بأن الإمامة منصب إلهي يعهد به الله سبحانه إلى من يصطفيه من عباده الصالحين ليقوم بذلك الدور الخطير إلا وهو قيادة العالم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وعلى هذا كان الإمام علي بن أبي طالب إماماً للمسلمين بإختيار الله له،


36

وقد أوحى لرسوله لكي ينصّبه علماً للناس، وقد نصّبه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ودلّ الأمة عليه وبعد حجة الوداع في غدير خم، فبايعوه «هذا مايقوله الشيعة».

أمّا اهل السنّة والجماعه فيقولون أيضاً بوجوب الإمامه لقيادة الأمّة، ولكنّهم يجعلون للأمة حق إختيار إمامها وقائدها، فكان أبو بكر بن أبي قحافه إماماً للمسلمين بإختيار المسلمين أنفسهم له بعد وفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي سكت عن أمر الخلافة ولم يبينّ للأمّة شيئا منها وترك الأمر شورى بين النّاس.

أين الحقيقه إذا تأمّل الباحث في أقوال الطرفين وتمعّن في حُجج الفريقين بدون تعصّب فسوف يقترب من الحقيقة بدون شك وها أنا سوف أستعرض وإياكم الحقيقة التي وصلت اليها على النحو التالي:

1 - الإمامة في القرآن الكريم: قال الله تعالى: وإذ إبتلى إبراهيم ربّهُ بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إماماً، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (1) .

في هذه الآية الكريمة يبّيُن الله لنا بأنّ الإمامة منصبٌ إلهي يعطيه الله لمن يشاء من عباده لقوله: جاعلك للناس إماماً كما توضّح الآيه بأن الأمامة هي عهد من الله لا ينالها إلا العباد الصالحين الذين إصطفاهم الله لهذا الغرض لإ نتفائه عن الظالمين الذين لا يستحقّون عهده سبحانه وتعالى.

وقال تعالى: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاه وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (2) .

(1) سورة البقرة آية 124.

(2) سورة الأنبياء آية 73.


37

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (1) .

وقال أيضاً: ونريد أن نمنّعلى الذين إستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين .

(2) وقد يتوهّم البعض بأنمدلول الآيات المذكوره يُفهم منها بأن الإمامة المقصودة هنا هي النبّوه والرساله وهو خطأ في المفهوم العام للإمامة، لأن كل رسول هو نبي وإمام وليس كل إمام رسول أو نبي !.

ولهذا الغرض أوضح الله سبحانه تعالى في كتابه العزير بأن عباده الصالحين يمكن لهم أن يسألوه هذا المنصب الشريف ليتشرّفوا بهداية النّاس وينالوا بذلك الأجر العظيم قال تعالى: والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً والذين إذا ذُكّروا بآيات ربّهم لم يخرُّوا عليها صُمَّا وعمياناً، والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعيُنٍ وأجعلنا للمتقين إماماً (3) .

كما ان القرآن الكريم إستعمل لفظ الإمامة للتدليل على القادة والحكّام والظالمين الذين يُضلّون أتباعهم وشعوبهم ويقودونهم الى الفساد والعذاب في الدنيا والآخرة، فقد جاء في الذكرالحكيم، حكاية عن فرعون وجنوده، قوله تعالى: ﴿ فاخذناه وجنوده فنبذناهم في أليمّ فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون الى النّار ويوم القيامة لا ينُصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة هم من المقبوحين (4) .

وعلى هذا الأساس فقول الشيعة هو الأقرب لما أقره القرآن الكريم لأن الله

(1)سورة السجدة آيه 24

(2) سورة القصص آيه 5.

(3) سورة الفرقان آية 71 ـ 74.

(4) سورة القصص آية 41 ـ 42.


38

سبحانه وتعالى أوضح بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ الإمامة منصب إلهي ويجعله الله حيث يشاء وهو عهد الله الذي نفاه عن الظّالمين وبما إنّ غير علي من صحابة النبي قد أشركوا فترة ما قبل الإسلام فإنهم بذلك يصبحون من الظالمين،فلا يستحقّون عهد الله لهم بالإمامة والخلافة، ويبقى قول الشيعة بأنّ الإمام علي بن أبي طالب إستحقّ وحده دون سائر الصحابة عهد الله بالإمامة لأنّه لم يَعبُد إلا الله وكرّم الله وجهه دون الصحابة لأنه لم يسجد لصنم، وإذا قيل بأنّ الأسلام يجبّ ماقبله، قلنا نعم ولكن يبقى الفُرق كبيراً بين من كان مشركاً وتاب، ومن كان نقيّاً خالصاً لم يعرف إلا الله.

2 ـ الإمامة في السنّة النبوية: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الإمامة أقوالاً متعدّدة رواها كّل من الشيعة والسنة في كتبهم ومسانيدهم فمرّة تحدث عنها بلفظ الإمامة ومرّة بلفظ الخلافة وآخرى بلفظ الولاية أو الإمارة.

جاء في الإمامة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم».

قالوا يارسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة»(1) .

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنونّ بسنّتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس»(2) .

(1)صحيح مسلم ج 6 / 24 باب خيار الأئمة وشرارهم.

(2) صحيح مسلم ج 6 /20 باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن.


39

وجاء في الخلافة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«لا يزال الدين قائما حتّى تقوم الساعه أو يكون عليكم إثنا عشر خليفه كلّهم من قريش»(1) .

وعن جابر بن سمرة قال سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: «لايزال الإسلام عزيزاً إلى إثنا عشر خليفة ثم قال كلمه لم افهمها فقلتُ لأبي، ما قال ؟ فقال كلّهم من قريش»(2) .

وجاء في الإمارة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم قال: لا ما صلّوا»(3) .

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في لفظ الإمارة أيضاً:

«يكون إثنا عشر أميراً كلهم من قريش»(4) .

وجاء عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم محذراً أصحابه:

«ستحرصون على الإمارة وستكون ندامه يوم القيامة فنعم المرضعةُ وبئسِتالفاطمةُ»(5) .

وجاء الحديث أيضاً بلفظ الولاية.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«ما من وال َيلي رعيّةٌ من المسلمين فيموت وهو غاشً لهم إلا حرّمَ الله عليه

(1) صحيح مسلم ج 6 /4 باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.

(2) صحيح مسلم ج 6 /3 وصحيح البخاري ج 8 / 105 وص 128.

(3) صحيح مسلم ج 6 / 23 باب وجوب الإنكار على الإمراء.

(4) صحيح البخاري ج 8 /127 باب الإستخلاف.

(5) صحيح البخاري ج 8 / 106 باب مايكره من الحرص على الإمارة.


40

الجنّة»(1) .

كما حدث صلّى الله عليه وآله وسلّم بلفظ الولاية:

(لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً كلّهم من قريش»(2) .

وبعد هذا العرض الوجيز عن مفهوم الإمامة أو الخلافة التي إستعرضتها من القرآن الكريم ومن السنّة النبّوية الصحيحة بدون تفسير ولا تأويل، بل إعتمدتُ على صحاح أهل السنّه دون غيرهم من الشيعة لأنّ هذا الأمر (أعني الخلافة في إثني عشر كلهم من قريش) عندهم من المسلّمات لا غبار عليها، ولا يختلف فيها إثنان منهم، مع العلم بأنّ بعض علماء أهل السنّة والجماعة يصرحون بأن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:

«يكون بعدي إثنا عشر خليفة كلهم من بني هاشم».

(3) . وعن الشعبي عن مسروق قال بينما نحن عند أبن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى:هل عهد اليكمنبيكم كمخليفة يكون من بعده قال: إنك لحديث السنّ وإن هذا شيء ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد إلينا نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم إنه يكون بعده إثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل …»(4) .

وبعد هذا فلنستعرض أقوال الفريقين على صحّة إدّعاء كلّ منهما من خلال النصوص الصريحة، كما نناقش تأويل كلّ منهما في هذه المسألة الخطيرة التي فرقت المسلمين من يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى يومنا هذا، وقد نشأ من ذلك إختلاف المسلمين الى مذاهب وفرق ومدارس كلامية وفكرية، بعد أن كانوا أمّة واحدة. فكل خلاف وقع بين المسلمين سواء في الفقه أو في التفسير

(1) صحيح البخاري ج 8 /106باب مايكره من الحرص على الإمارة.

(2) صحيح مسلم ج 6 ص 3 باب الخلافة في قريش.

(3) ينابيع المودة ج 3 /104

(4) ينابيع المودة ج 3 /105.


41

للقرآن أو في فهم السنّة النبوية الشريفة منشؤه وسببه الخلافة وما أدراك مالخلافة التي أصبحت بعد السقيفة أمراً واقعاً يُستنكر بسببها أحاديث صحيحة وآياتّ صريحه وتُخْتلقْ من أجل تثبيتها وتصحيحها أحاديث أخرى لا أساس لها في السنّة النبوية الصحيحة، وهذا يذكرني بإسرائيل والأمر الواقع ذلك إن الرؤساء والملوك العرب إجتمعوا وإتفقوا أن لا إعتراف بإسرائيل ولا تفاوض معها ولا سِلْمّ فما أُخِذَ بالقوّة لا يستردّ بغير القوة وبعد سنوات قليلة إجتمعوا من جديد ليقطعوا هذه المرّة علاقاتهم مع مصر التي إعترفت بالكيان الصهيوني وبعد سنوات قليلة أعادوا علاقاتهم مع مصر ولم يطعنوا بعلاقتها بإسرائيل مع أنّ أسرائيل لم تعترف بحق الشعب الفلسطيني ولم تغيّر شيئاً من موقفها بل زادت في تعنّتها وضاعفت قمعها للشعب الفلسطيني، فالتاريخ يعيد نفسه وقد إعتاد العربُ التسليم بالأمر الواقع.


42

رأي أهل السنة والجماعة في الخلافة ومناقشته

رأيهم معروف وهو أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم توفي ولم يُعين أحداً للخلافة، ولكن أهل الحل والعقد من الصحابةإجتمعوا في سقيفه بني ساعدة، وولّوا أمرهم أبا بكر الصديق لمكانته من رسول الله، ولأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إستخلفه في الصلاة أيام مرضه، فقالوا: رضَيهُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمر ديننا فكيف لا نرضاه لأمر دنيانا ؟ ويتلخص قولهم في:

1 ـ الرسول لم ينص على أحد.

2 ـ لاتكون الخلافة إلا بالشورى.

3 ـ إستخلاف أبي بكر وقع من طرف كبار الصحابة.

نعم هذا رأيي عندما كنت مالكيا أدافع عنه بكل ما أوتيت من قوّة وأستدلّ عليه بآيات الشورى. وأحاول جهدي التبجّح بأنّ الأسلام هو دين الديمقراطيه في الحكم وإنه السباقُ لهذا المبدأ الإنساني الذي تفخرُ به الدّول المتحضرة الراقية.

وأقول: إذا كان الغربُ ماعرف النظام الجمهوري إلا في القرن التاسع عشر فإن الإسلام عرفه وسبقهم إليه في القرن السادس.


43

ولكن وبعد لقائي بعلماء الشيعة وقراءة كتبهم والإطلاع على أدلّتهم المقنعة التي هي موجودة في كتبنا غيّرتُ رأيي الأول لمّا أسفرت الحجة عن وجهها لأنه لا يليق بجلال الله سبحانه أن يترك أمة بدون إمام وهو القائل: إنّما أنتَ منذرٌ ولكلّ قوم هادٍ كما لايليق برحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّه يترك أمته بدون راعٍ، وبالخصوص إذا عرفنا أنه كان يخشى على أمته الفرقة(1) والإنقلاب على ألأعقاب(2) . والتنافس على الدنيا(3) حتى يضرب بعضهم رقاب بعض(4) ، ويتبعوا سنن اليهود والنصارى(5) .

واذا كانت أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر تبعث الى عمر بن الخطاب حين طعّن فتقول له: «إستخلف على أمة محمد ولا تدعهم بعدك هملاً فإنّي أخشى عليهم الفتنة»(6) .

وإذا كان عبدالله بن عمر يدخل على أبيه حين طُعن فيقول له: «أن الناس زعموا أنك غير مُستخلفٍ، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيتَ أنه قد ضيّع فرعاية الناس أشد»(7) .

وإذا كان أبو بكر نفسه وهو الذي إستخلفه المسلمون بالشورى يحطّم هذا المبدأ ويسارع الى إستخلاف عمر من بعده ليقطع بذلك دابر الخلاف والفرقة والفتنة، وهو الأمر الذي تنبأ به علي (عليه السلام) حينما شدد عليه عمر لمبايعة أبي بكر فقال له:

(1) الترمذي وأبو داود وإبن ماجة ومسند أحمد بن حنبل ج 2 /332.

(2) صحيح البخاري ج 7 / 209 باب الحوض. وج5 /192.

(3) صحيح البخاري ج 4 /63

(4) صحيح البخاري ج 7 /112.

(5) صحيح البخاري ج 4 / 144 وج 8 /151.

(6) الإمامة والسياسة لإبن قتيبة ج 1 /28.

(7)صحيح مسلم ج 6 /5 باب الإستخلاف وتركه.


44

«إحلب حلباً لك شطره وأشدد له اليوم يردده عليك غداً»(1) .

أقول إذا كان أبو بكر لا يؤمن بالشورى فكيف نصدّق بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الأمر بدون إستخلاف وهل إنه لم يكن يعلم ما عمله أبو بكر وعائشة وعبدالله بن عمر، وما يعلمه كل النّاس بالبداهة، من إختلاف الآراء وتشتت الأهواء عندما يوكل اليهم أمر ألإختيار بالخصوص اذا كان الأمر يتعلق بالرئاسة وإعتلاء منصة الخلافة، كما وقع ذلك بالفعل حتّى في أختيار أبي بكر يوم السقيفة إذ إنّنا رأينا خلاف سيد الأنصار سعد بن عبادة وإبنه قيس بن سعد، وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوّام(2) والعباس بن عبدالمطلب وسائر بني هاشم وبعض الصحابة الذين كانوا يرون الخلافة حقّاً لعلي (عليه السلام) وتخلّفوا في داره عن البيعة حتّى هُدِّدوا بالحرق(3) .

في مقابل ذلك نرى الشيعة الإمامية يثبتون عكس مقالة أهل السنة ويؤكدون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عيّنَ عليّاً للخلافة ونصّ عليه في عدة مناسبات وأشهرها في غدير خـم.

وإذا كان الأنصاف يقتضي منك أن تستمع الى خضمك ليدلي برأيه وحجّته في قضية وقع الخلافة فيها معك، فكيف إذا إحتجّ خصمك بما تشهد أنتَ نفسك بوقوعه»(4) .

وليس دليل الشيعة دليلاً واهياً أو ضعيفاً حتّى يمكنك التغاضي عنه وتناسيه بسهولة وإنما الأمر يتعلقُ بآيات من الذكر الحكيم أُنزلتْ بهذا الشأن وأولاها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من العناية ما سارت به الركبـان

(1)الإمامة والسياسة لإبن قتيبه ج 1 /18.

(2) صحيح البخاري ج 8 /26باب رجم الحبلي من الزنا

(3) تاريخ الخلفاء لإبن قتيبة ج 1 /18 وما بعدها

(4) وذلك إنه ليس هناك دليل عند الشيعة إلا وفي كتب السنة مصداقة.


45

وتناقله العام والخاض حتّى ملأتْ كتب التاريخ والأحاديث وسجّله الرواة جيلاً بعد جيل.

1 ـ ولاية علي في القرآن الكريم

قال الله تعالى: إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فأنّ حزب الله هو الغالبون (1)

أخرج الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير(2) بالإسناد الى أبي ذرّ الغفاري قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا صمّتا ورأيته بهاتين وإّلا عميتا، يقول:.

«عليٌّ قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله».

أماإنّي صلّيت مع رسول الله ذات يوم، فسأل سائل في المسجد، فلم يُعطه أحد شيئاً، وكان علي راكعاً فأومأ بخنصره إليه وكان يتختّم بها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، فتضرّع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عزًّ وجلّ يدعوه فقال: اللّهم إن أخي موسى سألك «قال ربّ إشرح لي صدري ويسّر لي أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، وأجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري، كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً» فأوحيتَ إليه «قد أوتيتَ سؤالك ياموسى» «اللّهم وإنّي عبدك ونبيك، فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري، وأجعل لي وزيراً من أهلي عليَّاً أشدد به ظهري» قال أبو ذر، فوالله ما إستتمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الكلمه حتى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآيه: إنما وليكم الله

(1)سورة المائدة آية 55 ـ 56.

(2) أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي المتوفي سنه 337 هجريه ذكره إبن خلكان وقال: كان أوحد زمانه في علم التفسير صحيح النقل موثوق به.


46

ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاه وهم راكعون، ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون (1) .

ولا خلاف عند الشيعة في إنها نزلت في علي بن أبي طالب رواية عن أئمه أهل البيت (عليهم السلام) وهي من الأخبار المتسالم عليها عندهم فقد رويتْ في العديد من كتب الشيعة عندهم مثل:

1 ـبحار الأنوار للمجلسي

2 ـ إثبات الهداة للحر العاملي.

3 ـ تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي

4 ـ تفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية.

5 ـ الغدير للعلامة الأميني ـ وغير هؤلاء كثير ـ.

كما روي نزولها في علي بن أبي طالب من علماء السنة والجماعة جمع غفير أذكر منهم فقط علماء التفسير.

1 ـ تفسير الكشاف للزمخشري ج 1 / 649.

2 ـ تفسير الطبري ج 6 / 288.

3 ـ زاد المسير في علم التفسير لإبن الجوزي ج2/383.

4ـ تفسير القرطبي ج 6 س 219.

5 ـ تفسير الفخر الرازي ج 12 / 26.

6 ـ تفسير إبن كثير ج 2 / 71.

7 ـ تفسير النسفي ج 1 / 289.

8 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 ص 161.

9 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج 2 / 293.

10 ـ أسباب النزول للإمام الواحدي ص 148.

(1)الجمع بين الصحاح الستة. صحيح النسائي ـ مسند أحمد ـ إبن حجر في صواعقه وكذلك رواها إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة.


47

11 ـ أحكام القرآن للجصّاص ج 4 / 102.

12 ـ التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي ج 1 / 181.

وما لم أذكره من كتب السنة أكثر مما ذكرت.

2ـ أية البلاغ تتعلق أيضاً بولاية علي

قال تعالى: يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك وأن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس (1) .

يقول بعض المفسّرين من أهل السنّة والجماعة بأن هذه الآية نزلت في بداية الدعوة عندما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقيم حرساً يحرسونه خوفاً من القتل والإغتيال فلما نزلتْ والله يعصمك من الناس قال «إذهبوا فإنّ الله قد عصمني».

فقد أخرج إبن جرير وإبن مردويه عن عبدالله بن شفيق قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعقبّه ناس من أصحابه فلما نزلت والله يعصمك من الناس فخرج فقال:

«يا أيها الناس إلحقوا بملاحقتكم فإنّ الله قد عصمني من الناس»(2) .

وأخرج إبن حبان وإبن مردويه عن أبي هريره قال كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحه وأظلها فينزل تحتها فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يامحمد من يمنعك مني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله يمنعني منك. ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت والله يعصمك من الناس (3) .

(1) سورة المائدة آية 67

(2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 3 / 119.

(3) نفس المصدر السابق.


48

كما أخرج الترمذي والحاكم وأبو نعيم عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُحرسُ حتّى نزلتْ والله يعصمك من ألناس فأخرج رأسه من القبّة: فقال أيها الناس، إنصرفوا فقد عصمني الله.

وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل وإبن مردويه وإبن عساكر عن إبن عبّاس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُحرسُ وكان يرسل عمّه معه أبو طالب كل يوم رجلاً من بني هاشم يَحرسونه، فقال: ياعّمْ إن الله قد عصمني لا حاجه لي إلى من تبعث.

ونحن إذا تأمّلنا في هذه الأحاديث وهذه التأويلات وجدناها لا تستقيم ومفهوم الآية الكريمة ولا حتى مع سياقها تُفيد بأنها نزلتْ في بداية الدعوة حتى وإن البعض يصرّح بأنها في حياة أبي طالب يعني قبل الهجرة بسنوات كثيرة وبالخصوص رواية أبي هريرة التي يقول فيها «كنّا إذا صحبنا رسول الله في سفر تركنا له أعظم دوحه … الخ» فهذه الرواية ظاهرة الوضع لأن أبا هريرة لم يعرف الإسلام ولا رسول الله إلا في السنة السابعة للهجرة النبوية كما يشهد هو نفسه بذلك(1) فكيف يستقيم هذا؛ وكل المفسّرين سنّة وشيعة أجمعوا على أن سوره المائدة مدنية وهي آخر ما نزل من القرآن ؟؟؟

فقد خرج أحمد وأبو عبيد في فضائله والنحاس في ناسخه والنسائي وإبن المنذر والحاكم وإبن مردويه والبيهقي في سننه عن جُبير بن نفير قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة، فقالت: لي ياجبير تقرأ المائدة ؟ فقلتُ نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فإستحلّوه، وما وجدتم من حرام فحرّموه(2) .

(1) فتح الباري 6 /31 البدايه والنهاية ج 8 / 102 سير أعلام النبلاء للذهبي ج/ 436 الإصابه لإبن حجر ج 3 /287.

(2) جلال الدين السيوطي الدر المنثور3 / 3.


49

كما أخرج أحمد والترمذي وحَسّنه الحَاكمْ وصَححّه، وإبن مردويه والبيهقي في سننه عن عبدالله بن عمرو قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة(1) .

وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرطني قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع، فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته، فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2) .

وأخرج إبن جرير عن الربيع بن أنس قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في المسير في حجة الوداع وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثـقلها(3) .

وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المائدة من آخر القرآنتنزيلاً، فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها(4) .

فكيف يقبل العاقل المنصف بعد كل هذا، إدّعاء من قال بنزولها في أوّل البعثة النبّوية ؟ وذلك لصرفها عن معناها الحقيقي، أضف إلى ذلك إن الشيعة لا يختلفون في إن سورة المائدة هي آخر القرآن نزولاً وإن هذه الآية بالذات يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك … والتي تسمّى آية البلاغ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجه عقيب حجة الوداع في غدير خمّ قبل تنصيب الإمام علي عَلماً للناسِ ليكونَ خليفته من بعده وذلك يوم الخميس وقد نزل بها جبرائيل (عليه السلام) بعد مضي خمس

(1) نفس المصدر السابق.

(2) الدر المنثور في التفسير المأثور3 /4.

(3) الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي3 /4.

(4) نفس المصدر السابق.


50

ساعات من النهار فقال: يامحمد أن الله يقرؤك السلام ويقول: يا أيها الرسول يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس .

على أن قوله سبحانه وتعالى وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته يدلّ دلالة واضحة بأن الرسالة إنتهت أو هي على وشك النهاية، وإن بقي فقط أمرٌ مهمّ لايكتمل الدّينُ إلا به.

كما تُشعر الآية الكريمة بأن الرسول كان يخشى تكذيب النّاس له إذا مادعاهم بهذا الأمر الخطير، ولكن الله سبحانه لم يُمهله التأجيلْ فالأجل قد قَرُبَ، وهذه الفرصة هي أحسن الفرص وموقفها هو أعظم المواقف إذ إجتمع معه صلّى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة الف رافقوه في حجّة الوداع وما زالت قلوبهم عامرة بشعائر الله مستحضرة نعي الرسول نفسه اليهم.

وقوله لهم: لَعلّي لا ألقاكم بعد عامكم هذا ويوشك أن يأتي رسول ربّي وأدعى فأجيب، وهم سيفترقون بعد هذا الموقف الرّهيب للعودة الى ديارهمولعلّهم لا تُتاحُ لهم فرصة اللّقاء مرّة أخرى بهذا العدد الكبير وغدير خم هو مفترق الطرقات فلا يمكن لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يُفوّتَ هذه الفرصة باي حال من الأحوال. كيف وقد جاءه الوحي بما يشبه التهديد على أن كل الرّسالة منوطة بهذا البلاغ والله سبحانه قد ضمن له العصمة من الناس فلا داعي للخوف من تكذيبهم فكم كُذِبتْ رسُلٌ من قبله ولكن لم يُثنَهم ذلك عن تبليغ ما أمروا به فما على الرسول إلا البلاغ ولو علم الناس مُسبّقاً بأن أكثرهم للحق كارهون(1) ولو علم فإن منهم مكذبين(2) ماكان سبحانه أن يتركهم دون إقامة الحجّة عليهم لئّلا يكون للناس على الله حجّةً بعد الرّسُل وكان الله عزيزاً

(1)سورة الزخرف آية 78.

(2) سورة الحاقة آية 49.


51

حكيماً(1) .

على إن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة في من سبقه من إخوانه الرسل الذين كذّبتهم أممهم قال تعالى: وإن يكذّبوك فقد كذّبتْ قبلهم قوم نوح وعادٌ وثمودُ وقومُ إبراهيمَ وقومُ لوطٍ وأصحابُ مدينَ، وكُذِبَ موسى فأمليتُ للكافرين، ثم أخذتُهُمْ فكيف كان نكيرِ .(2)

ونحن إذا تركنا التعصّب المقيت، وحب الإنتصار للمذهب لوجدنا أن هذا الشرح هو المناسب لعقولنا ويتماشى مع سياق الآية والأحداث التي سبقتها وأعقبتها.

وقد أخرج كثير من علمائنا نزولها في غدير خمّ في شأن تنصيب الإمام علي وصححّوا تلك الروايات ووافقوا بذلك إخوانهم من علماء الشيعة، وأذكر على سبيل المثال من علماء السنه:

1 ـ الحافظ أبو نعيم في كتاب نزول القرآن

2 ـ الإمام الواحدي في كتاب أسباب النزول ص 150.

3 ـ الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير.

4 ـ الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ج1 /187

5 ـ جلال الدين السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسيبر بالمأثور ج 3 / 117.

6 ـ الفخر الرّازي في تفسيره الكبير ج 12 /50.

7 ـ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ج 2 /86 ج 6 / 463.

8 ـ تاريخ دمشق لأبن عساكر الشافعي ج 2 /86.

9 ـ فتح القدير للشوكاني ج 2 / 60.

(1)سوره النساء آية 165.

(2) سورة الحج آية 42 ـ 44.


52

10 ـمطالب السؤول لإبن طلحه الشافعي ج 1 /44.

11 ـ الفصول المهمة لإبن الصباغ المالكي ص 25.

12 ـ يانبيع المودّة للقندوزي الحنفي ص 120.

13 ـ الملل والنحل للشهرستاني ج 1 / 163.

14 ـ إبن جرير الطبري في كتاب الولاية.

15 ـ إبن سعيد السجستاني في كتاب الولاية.

16 ـ عمدة القاريء في شرح البخاري لبدر الدين الحنفي ج 8 /584.

17 ـ تفسير القرآن لعبد الوهاب البخاري.

18 ـ روح المعاني للألوسي ج2 / 384.

19 ـ فرائد السمطين للحمويني ج 1 / 185.

20 ـ فتح البيان في مقاصد القرآن للعلامة سيد صديق حسن خان ج 3 / 63.

فهذا نزرٌ يسيرٌ ممّن يحضرني وهناك أضعاف هؤلاء من علماء أهل السنّة ذكرهم العلاّمة الأميني في كتاب الغدير.

فماذا ياتُرى فعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عندما أمره ربّه بإبلاغ ما أنزل اليه ؟؟

يقول الشيعة، بأنّه جمع النّاس على صعيد واحد في ذلك المكان وهو غدير خمّ، وخطبهم خطبة بليغة طويله وأشهدهم على أنفسهم فشهدوا بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أولى بهم من أنفسهم وعند ذلك رفع يد علي بن أبي طالب وقال:

«من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأنصر من نصره وإخدل من خذله وأدر الحق معه حيث دار»(1) .

(1) وهو مايسمّى بحديث الغدير وقد أخرجه علماء الشيعة وعلماءالسنّة على حد سواء.


53

ثمَّ البسه عمامته وعقد له موكباً وأمر أصحابه بتهنئته بإمرة المؤمنين ففعلوا وفي مقدّمتهم أبو بكر وعمر يقولان بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصحبت وأمسيت مولى كل مؤمن ومومنة(1) .

وبعدما فرغوا أنزل الله عليه اليوم اكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً .

هذا مايقوله الشيعة وهو عندهم من المسلمات ولا يختلف فيه عندهم إثنان، فهل لهذه الحادثة ذكرٌ عند أهل السنّة والجماعة ؟ وحتى لا ننحاز إليهم ويُعحبنا قولهم: فقد حذّرنا الله سبحانه بقوله: ومن النّاس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهدُ الله على مافي قلبه وهو الدّ الخصام.. (2)

فالواجب أن نحتاط ونبحث هذا الموضوع بكل حذر ونْنظرُ في أدلّه الفريقين بكل نزاهه مبتغين في ذلك رضاه سبحانه.

والجواب نعم، إن كثيراً من علماء أهل السنّة يذكرون هذه الحادثة بكل أدوارها وها هي بعض الشواهد من كتبهم.

1 ـ أخرج الإمام أحمد بن حنبل من حديث زيد بن أرقم قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير، قال فخطبنا، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس فقال:

«ألستم تعلمون، أو ألستم تشهدون إني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟

(1)أحمد بن حنبل في مسنده ج 4 /281 والطبري في تفسيره والرازي في تفسيره الكبير ج 3 /636 وإبن حجر في صواعقهوالدارقطني والبيهقي والخطيب البغدادي والشهرستاني وغيرهم.

(2) سورة البقرة آية 204.


54

قالوا: بلى قال: فمن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه …»(1) .

2 ـ أخرج الإمام النسائي في كتاب الخصائص عن زيد بن أرقم قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمّمن، ثم قال:

(كإني دُعيت فاجبتُ وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي فأنظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم إنه أخذ بيد علي فقال: من كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال أبو الطفيل فقلتُ لزيد: سمعته من رسول الله فقال: وإنّه ماكان في الدوحات أحد إلا ورآه بعينيه وسمعه بأذنيه»(2) .

3 ـ أخرج الحاكم النيسابوري عن زيد بن أرقم من طريقين صحيحين على شرط الشيخين قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقممن فقال:

«كإني دعيتُ فأجْبتُ وإني تركتُ فيكم الثقيلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحـوض، ثم قال: إن الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال: من كنتُ مولاه فهذا وليّه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه …»(3) .

4 ـ كما أخرج هذا الحديث مسلم في صحيح يُسْنده الى زيدُ بن أرقم

(1) مسند أحمد بن حنبل ج 4 / 372.

(2) النسائي في كتاب الخصائص ص 21.

(3) مستدرك الحاكم ج 3 / 109.


55

ولكنّه إختصره فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خّماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال:

«أمّا بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيبُ وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وإستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي …»(1) .

تعليق ـ بالرغم من أن الإمام مسلم إختصر الحادثة ولم يروها بكاملها إلا إنها بحمد الله كافية وشافية ولعلّ الإختصار كان من زيد بن أرقم نفسه لما إضطرته الظروف السياسية الى كتمان حديث الغدير وهذا نفهمه من سياق الحديث إذ يقول الرّاوي: إنطلقتُ أنا وحُصين بن سبرة وعمر بن مسلم الى زيد بن أرقم، فلمّا جلسنا إليه قال له حُصين، لقد لقيتَ يازيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعتَ حديثه وغزوتَ معه وصلّيتَ خلفه، لقد لقيتَ يازيدُ خيراً كثيراً، حدثنا يازيد ماسمعت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: يا إبن أخي والله لقد كبرتْ سنّي وقدُمَ عهدي ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعِي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما حدّثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يدعى خُمَّاً …

فيبدوا من سياق الحديث إن حُصيناً سأل زيد بن أرقم عن حادثة الغدير وأخرجه أمام الحاضرين بهذا السؤال وكان بدون شك يعلم بأن الجواب صريح على ذلك يسبّب له مشاكل مع الحكومة التي كانت تحمِلُ الناس على لعن علي بن أبي طالب، ولهذا نجده يعتذر للسائل بأنه كبُرتْ سنّه وقدُم عهده ونسي بعض

(1)صحيح مسلم ج 7 /122 باب فضائل علي بن أبي طالب وذكر الحديث أيضاً الإمام أحمد والترمذي وإبن عساكر وغيرهم.


56

الذي كان يَعِي ثم يُضيف طالباً من الحاضرين بأن يقبلوا مايحدّثهم به ولا يكلّفوه ما يريد السّكوت عنه.

ومع خوفه، ومع إختصاره للحادثه وإقتضابها فقد أوضح زيد بن أرقم (جزاه الله خيراً) كثيراً من الحقائق وأْلمحَ لحديث الغدير بدون ذكره، وذلك قوله قام فينا رسول الله صّلى الله عليه وآله وسلّم خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكة والمدينة، ثم بعد ذلك ذكر فضل علي وإنه شريك القرآن في حديث الثقلين كتاب الله وأهل بيتي بدون أن يذكر إسم علي وترك للحاضرين أن يستنتجوا ذلك بذكائهم لأن كلّ المسلمين يعرفون أن علياً هو سيد أهل بيت النبوه.

ولذلك نرى حتّى الإمام مسلم نفسه فهم من الحديث ماتفهمناه وعرف ماعرفناه فتراه يخرج هذا الحديث من فضائل علي بن أبي طالب رغم أن الحديث ليس فيه ذكر لإسم علي بن أبي طالب(1) .

5 ـ أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح عن زيد بن أرقم وعن حذيفه بن أسيد الغفاري قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بغدير خمّ تحت شجراتفقال:

«أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد إنك قد بلغتَ وجاهدتَ ونصحتَ، فجزاه الله خيرا. فقال: اليس تشهدون أن لا إالله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حقً، وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت، وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعثُ من في القبور ؟ قالوا: بلا نشهد بذلك. فقال اللَّهم إشهد، ثم قال: يا أيها الناس أن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنتُ مولاه فهذا مولاه ـ يعني علياً ـ اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، ثم قال: ياأيها الناس إني فرطكم، وإنكم واردون علي الحوض، حوض أعرض ما بين بصري الى

(1)صحيح مسلم ج 7 /122 باب فضائل علي بن أبي طالب.


57

صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي فإنه نبأني اللطيف الخبير إنهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض»(1) .

6 ـ كما أخرج الإمام أحمد من طريق البراء بن عازب من طريقين، قال: كنا مع رسول الله، فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصلاه جامعة، وكسح لرسول الله صلّى الله عليه وآلله وسلّم، تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي، فقال: «الستم تعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون إني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى قال: فأخذ بيد علي، فقال:

من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والله وعاد من عاداه، قال فلقيَهُ عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئاً يا بن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة»(2) .

وبإختصار فقد روي حديث الغدير من أعلام أهل ألسنّة زيادة عمّن ذكرنا، الترمذي وإبن ماجة، وإبن عساكر وأبي نعيم، وإبن الأثير، والخوارزمي، والسيوطي، وإبن حجر الهيثمي، وإبن الصباغ المالكي والقندوزي الحنفي، وإبن المغازلي وإبن كثير، والحمويني والحسكاني، والغزالي، والبخاري في تاريخه.

على أن العلاّمة الأميني صاحب كتاب الغدير ذكر من علماء أهل السنه

(1)إبن حجر في صواعقه ص 25 نقلاً عن الطبراني والحكيم الترمذي

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل الجزء الرابع صفحة 281. كذلك في كنز العمّال جزء 15 ص 117. فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ج 1 / 350


58

والجماعة الذين رووا حديث الغدير وأخرجوه في كتبهم على إختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في القرن الأول للهجرة وحتى القرن الرابع للهجرة فكان عددهم يزيد عن ثلثمائه وستين عالماً، ولمن أراد التحقيق فعليه بمراجعة كتاب الغدير(1) .

أفيمكن بعد كلّ هذا. أن يقول قائل بأنّ حديث الغدير هو من مختلقات الشيعة.

والعجب الغريب أنّ أغلب المسلمين عندما تذكر له حديث الغدير، لا يعرفه أو قل لمْ يسمع به والأعجب من هذا كيف يدّعي علماء أهل السنّة بعد هذا الحديث المجمع على صحّته، بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يستخلف وترك الأمر شورى بين المسلمين.

فهل هناك للخلافة حديث أبلغ من هذا وأصرح يا عباد الله ؟؟ وإني لأذكر مناقشتي مع أحد علماء الزيتونة في بلادنا عندما ذكرتُ له حديث الغدير محتجّاً به على خلافة الإمام علي فاعترف بصحّته، بل وزاد في الحبل وصلة فاطلعني على تفسيره للقرآن الذي ألّفه بنفسه، والذي يذكر فيه حديث الغدير ويصححه ويقول بعد ذلك:

«وتزعم الشيعة بأن هذا الحديث هو نصّ علىخلافة سيدنا علي كرّم الله وجهه، وهو باطل عند أهل السنّة والجماعة لأنه يتنافىمع خلافة سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر الفاروق وسيدنا عثمان ذي النورين، فلا بدّ من تأويل لفظ المولى الوارد في الحديث على معنى المحب والناصر، كما ورد ذلك في الذكر الحكيم، وهذا ما فهمه الخلفاء الرّاشدون والصحابة الكرام رضي الله عليهم تعالى أجمعين، وهذا ما أخذه عنهم التابعون وعلماء المسلمين، فلا عبرة لتأويل الرافضة لهذا الحديث لأنهم لايعترفون بخلافة الخلفاء ويطعنون في صحابة الرسول وهذا وحده كافٍ لردّ أكاذيبهم وإبطال مزاعمهم» إنتهي كلامه في

(1)كتاب الغدير للعلاّمة الأميني في إحدى عشر مجلداً وهو كتاب قيّم جمع فيه صاحبه كل ما يتعلّق بحديث الغدير من كتب أهل السنّة والجماعة.


59

الكتاب.

سألته: هل الحادثة وقعتْ بالفعل في غدير خم ؟

أجاب: لو لم تكن وقعتْ ما كان ليرويها العلماء والمحدّثون ! قلتُ: فهل يليق برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجمع أصحابه في حرّ الشمس المحرقة ويخطب لهم خطبة طويلة ليقول لهم بأنّ علي محبّكم وناصركم ؟ فهل ترضون بهذا التأويل ؟

أجاب: أن بعض الصحابة إشتكى عليَّا وكان فيهم من يحقد عليه ويبغضه، فأراد الرسول أن يزيد حقدهم فقال لهم بأنّ علياً محبّكم وناصركم، لكي يحبّوه ولا يبغضوه.

قلتُ: هذا لايتطلّب إيقافهم جميعاً والصلاة بهم وبدأ الخطبة بقوله: الستُ أولى بكم من أنفسكم لتوضيح معنى المولى، وإذا كان الأمر كما تقول فكان بإمكانه أن يقول لمن إشتكى منهم عليّاً «إنّه محبّكم وناصركم» وينتهي الأمر بدون أن يحبس في الشمس تلك الحشود الهائلة وهي أكثر من مائةالف فيهم الشيوخ والنساء، فالعقل لا يقنع بذلك أبداً !

فقال: وهل العاقل يصدق بأن مائة الف صحابي لم يفهموا مافهمتَ أنتَ والشيعة ؟؟

قلتُ: أولاً لم يكن يسكن المدينة المنوّرة إلا قليلٌ منهم. وثانياً: إنهم فهموا بالضبط مافهمتهُ أنا والشيعة ولذلك رووا العلماء بأن أبا بكر وعمر كانا من المهنّئين لعلي بقولهم: «بخ بخ لك يا إبن أبي طالب أمسيت وأصبحت مولى كل مؤمن».

قال: فلماذا لم يبايعوه إذاً بعد وفاة النبيّ ؟ أتراهم عصوا وخالفوا أمر النبي ؟ أستغفر الله من هذا القول.

قلتُ: إذا كان العلماء من أهل السنّة يشهدون في كتبهم بأنّ بعضهم ـ


60

أعني من الصحابة ـ كانوا يخالفون أوامر النبّي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبحضرته(1) ، فلا غرابة في ترك أوامره بعد وفاته، وإذا كان أغلبهم يطعنُ في تأميره أسامة بن زيد لصغر سنه رغم إنها سرّية محدودة ولمدّة قصيرة فكيف يقبلون تأمير علي على صغر سنه ولمدّة الحياة وللخلافة المطلقة ؟ ولقد شهِدتَ أنتَ بنفسك بأن بعضهم كان يبغض علياً ويحقد عليه !!.

أجابني متحرّجاً: لو كان الإمام علي كرّم الله وجهه ورضي الله عنه يعلَمُ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إستخلفه، ماكان ليسكتَ عن حقه وهو الشجاع الذي لا يخشى أحداً ويهابه كل الصحابة.

قلتُ: سيدي هذا موضوع آخر لا أريد الخوض فيه لأنك لم تقتنع بالأحاديث النبوية الصحيحة وتحاول تأويلها وصرفها عن معناها حفاظاً عل كرامة السلف الصالح، فكيف أقنعك بسكوت الإمام علي أو بإحتجاجه عليهم بحقّه في الخلافة ؟

إبتسم الرّجل قائلاً أنا والله من الذين يفضّلون سيدنا علياً كرّم الله وجهه على غيره، ولو كان الأمر بيدي لما قدّمتُ عليه أحداً من الصحابة لأنه باب مدينة العلم وهو أسد الله الغالب، ولكن مشيئة الله سبحانه هو الذي يقدّم من يشاء ويؤخّر من يشاء لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.

إبتسمتُ بدروي له وقلتُ: وهذا أيضاً موضوع آخر يجرّنا للحديث عن القضاء والقدر وقد سبق لنا أن تحدّثنا فيه وبقي كلٌ منّا على رأيه، وإنّي لأعجب ياسيدي لماذاكلّما تحدثتُ مع عالم من علماء أهل السنّه وأفحمته بالحجّة سرعان ما يتهرب من الموضوع الى موضوع آخر لاعلاقة له بالبحث الذي نحن بصدده قال: وأنا باقٍ على رأيي لا أغيّره. ودّعته وإنصرفتُ. وبقيت أفكّرُ ملياً لماذا لا أجد

(1) صحيح البخاري ومسلم إذ أخرجا عدة مخالفات لهم كما في صلح الحديبية وكما في رزية يوم الخميس وغير ذلك كثير.


61

واحداً من علمائنا يكمل معي هذا المشوار ويوقف الباب على رجله كما يقول المثل الشائع عندنا.

فالبعض يبدأ الحديث، وعندما يجد نفسه عاجزاً عن إقامه الدّليل على أقواله يتملّص بقوله: تلك إمّه قد خلتْ لها ما كسبتْ ولكم ما كسبتم، والبعض يقول مالنا ولإثاره الفتن والأحقاد فالمهم إن السنّة والشيعة يؤمنون بإله واحد ورسول واحد وهذا يكفي والبعض يقول بإيجاز: يا.خي إتق الله في الصحابة، فهل يبقى مع هؤلاء مجال للبحث العلمي وإنارة السبيل والرجوع للحق الذي ليس بعده إلا الضلال ؟ وأين هؤلاء من إسلوب القرآن الذي يدعو الناس لإقامه الدليل قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين مع العلم بأنهم لو يتوقفون عن طعنهم وتهجمهم على الشيعة لما الجأونا للجدال معهم حتّى بالتي هي أحسن.


63

آية إكمال الدين تتعلق أيضا بالخلافة

قوله سبحانه وتعالى: اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً (1) ، يجمع الشيعة على نزولها بغدير خم بعد تنصيبالرسول صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي خليفة للمسلمين وذلك رواية عن أئمة العترة الطاهرة وبذلك تراهم يعدّون الإمامة من أصول الدّين.

ورغم أن الكثير من علمائنا يروون نزولها في غدير خم بعد تنصيب الإمام علي أذكر منهم على سبيل المثال:

1 ـ تاريخ دمشق لإبن عساكر ج 2 / 75.

2 ـ مناقب علي أبي طالب لإبن المغازلي الشافعي ص 19.

3 ـ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 8 ص 290.

4 ـ الإتقان للسيوطي ج 1 / 31.

5 ـ المناقب للخوارزمي الحنفي ص 80.

6 ـ تذكره الخواص للسبط إبن الجوزي ص 30

(1)سورة المائده آية 3.


64

7 ـ تفسير إبن كثير ج 2 / 14.

8 ـ روح المعاني للألوسي ج 6 / 55.

9 ـ البداية والنهاية لإبن كثير الدمشقي ج 5 / 213.

10 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج 3 /19

11 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 115.

12 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 /157.

أقول رغم ذلك لابدّ لعلماء أهل السنّة من صرف هذه الآية الى مناسبة أخرى، وذلكللحفاظ على كرامة السلف الصالح من الصحابة، وإلا لو سلّموا بنزولها في غدير خمّ لأعترفوا ضمنّياً بأن ولاية علي بن أبي طالب هي التي أكمل الله بها الدّين وأتم بها على المسلمين نعمته ولتبخّرت خلافة الخلفاء الثلاثه الذين سبقوه، ولتزعزعت عدالة الصحابة، ولذابت أحاديث كثيرة مشهورة كما يذوب الملح بالماء، وهذا أمرّ مستحيل وخطبٌ فادحٌ، لأنه يتعلّق بعقيدة أمّة كبيرة لها تاريخها وعلماؤها وأمجادها، فلا يمكن لنا تكذيب أمثال البخاري ومسلم الذين يروون بأن الآية إنما نزلت عشية عرفة في يوم الجمعة.

وبمثل ذلك تصبح الروايات الأولى مجرّد خرافات شيعيّة لا أساس لها من الصحّة ويصبح الطعن على الشيعة أولى من الطعن على الصحابة فهؤلاء معصومون عن الخطأ(1) ولا يمكن لأي إنسان أن ينتقد أفعالهم وأقوالهم، أما أولئك الشيعة فهم مجوس، كفّار، زنادقة وملحدون ومؤسس مذهبهم هو عبدالله بن سبأ(2) وهو يهودي أسلم في عهد عثمان ليكيد للمسلمين وللإسلام.

(1)لأنهم يعتقدون بأن الصحابة كالنجوم بأيهم إقتديتم إهتديتم.

(2) إقرأ كتاب عبدالله بن سبأ للعلامة العسكري لتعرف بأنه لاوجود له، وهو من مختلقات سيف بن عمر التميمي المشهور بالوضع والكذب ـ وإقرأ كتاب الفتنه الكبرى لطه حسين وإن شئت فأقرأ كتاب الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور مصطفى كامل الشيبي لتعرف بأن عبدالله بن سبأ هذا ليس غير سيدنا عمار بن ياسر رضي الله تعالىعنه.


65

وهذا أسهل بكثير للتمويه على الأمة التي تربّت على تقديس وإحترام الصحابه (أي صحابي كان ولو شاهد النبي مرّة واحدة) وأنّى لنا ان نقنعهم بأن تلك الروايات ليست خرافات شيعية وإنما هي من أحاديث الأئمه الأثني عشر الذين نص رسول الله على إمامتهم، الذين نجحت الحكومات الإسلامية في القرن الأول في غرس حب وأحترام الصحابة مقابل التنفير من علي وبنيه، حتى لعنتهم على المنابر وتتبعت شيعتهم بالقتل والتشريد، فنشأ من ذلك بغض وكراهية لكل الشيعة، لما روّجتْهُ وسائل الإعلام في عهد معاوية من إشاعات وخزعبلات وعقائد فاسدة ضدّ الشيعة، وهم (الحزب المعارض) كما يسمّى عندنا اليوم لعزلهم والقضاء عليهم.

ولذلك نجد حتّى الكُتابْ والمؤرّخين في تلك العصور يسمّونهم الرّوافض ويكفّرونهم ويستبيحون دمائهم تزلّفاً للحكّام ولمّا إنقرضت الدولة الأموية وخلفتها الدولة العبّاسية نسج بعض المؤرخين على منوالهم وعرف البعض حقيقة أهل البيت(1) فحاول التوفيق والإنصاف فألحق علياً بالخلفاء الرّاشدين ولكن لم يجرأوا على التصريح بأحقيته، ولذلك تراهم لا يخرجون في صحاحهم إلا النزر اليسير من فضائل علي والتي لا تتعارض مع خلافة الذين سبقوه، والبعض منهم وضع كثيراً من الأحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان على لسان علي نفسه، حتى يقطع بذلك (على زعمه) الطريق على الشيعة الذين يقولون بأفضليته.

وإكتشفْتُ خلال البحث بأن شهرة الرجال وعظمتهم إنما كانت تقدّر ببغضهم لعلي بن أبي طالب، فالأمويون والعباسيون كانوا يقربون ويعظمون كل من حارب الإمام علي أو وقف ضدّه بالسيف أوباللسان، فتراهم يرفعون بعض الصحابة ويضعون آخرين، ويغدقون الأموال على بعض الشعراء ويقتلون آخرين، ولعلّ عائشة أمّ المؤمنين لم تكن لتحضى بتلك المنزلة عندهم لولا

(1) ذلك لأن الأئمه من أهل البيت فوضوا أنفسهم بأخلاقهم وعلومهم التي ملأت الخافقين وبزهدهم وتقواهم والكرامات التي حباهم الله بها.


66

بغضها(1) وحربها لعلي.

ومن ذلك أيضا تجد العباسيين يعلون من شأن البخاري ومسلم والإمام مالك لأنهم لم يخرجوا في فضائله إلا القليل بل نجد صراحة في هذه الكتب بأن علي بن أبي طالب لا فضل له ولا مزية فقد روي البخاري في صحيحه في باب مناقب عثمان عن إبن عمر قال: كنا في زمن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نعدِلُ بأبي بكر أحداً ثم عُمرَ ثم عثمانَ ثم نترك أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا نفاضل بينهم(2) فعليّ عنده كسائر النّاس «إقرأ وأعجب» !!

كما في أن في الأمّة فرقاً أخرى كالمعتزلة والخوارج وغيرهم ممّن لا يقول بمقالة الشيعة، ولأن إمامة علي وأولاده من بعده تقطع عليهم الطريق للوصول للخلافة والتحكم في رقاب النّاس والتلاعب بمصيرهم وممتلكاتهم كما فعل ذلك بنو أميّة وبنو العباس في عهد الصحابة وعهد التابعين والى يوم الناس هذا. لأن حكام العصر الذين وصلوا الى الحكم سواء بالوراثة كالملوك والسلاطين، أو حتّى الرؤساء الذين إنتخبتهم شعوبهم لا يعجبهم هذا الإعتقاد؛ أعني أن يعتقد المؤمنون بخلافة أهل البيت، ويضحكون من هذه الفكرة التيوقراطية، التي لا يقول بها إلا الشيعة، وخصوصاً إذا كان هؤلاء الشيعة قد بلغوا من سخافة العقل وسفاهة الرأي إنهم يعتقدون بإمامة المهدي المنتظر الذي سيملأ أرضهم قسطاً وعدلاً كما مُلئتْ ضلماً وجوراً.

ونعود الآن لمناقشة أقوال الطرفين في هدوء وبدون تعصّب، لنعرف ماهي

(1)كانت لا تطيق ذكر أسمه البخاري 1 / 162 ـ 7 / 18 ـ 5 /140 ويقول المؤرخون لما بلغها خبر مقتله سجدت شكرا لله وقالت في ذلك شعراً.

(2) صحيح البخاري 4 /191 وص 201 كما روي البخاري في صحيحه 4 /195 رواية تُنسب الى محمد بن الحنفية قال: قلتُ لأبي أيّ الناس خيرُ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أبو بكر قلتُ ثم مَنْ قال: ثم عُمرُ وخشيتُ أنْ يقولَ عثمانُ قلتُ ثم أنتَ قالَ: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين.


67

المناسبة وما هو سبب نزول آيه «إكمال الدين» حتّى يتضّح لنا الحقّ فنتبعه وما علينا بعد ذلك من رضا هؤلاء، أو غضب أولئك مادمنا نتوخّى قبل كل شيء رضا الله سبحانه والنجاة من عذابه يوم لاينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم، يوم تُبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ فأمّا الذين إسودّتْ وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأمّا الذين إبيضّتْ وجوههُمْ ففي رحمه الله هم فيها خالدون (1) .

(1)سوره المائده آية 106.


68


69

مناقشة القول بأن الآية نزلت يوم عرفة

أخرج البخاري في صحيحه(1) قال: حدّثنا محمد بن يوسف حدّثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب إن أنّاساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآيه فينـا لأتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر أَيَّةُ آيةٍ ؟ فقالوا: اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً .

فقال عمر: إنّي لأعلم أي مكان أنزِلتْ، أنزِلتْ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقفٌ بعرفة.

وأخرج إبن جرير عن عيسى بن حارثة الأنصاري قال: كنّا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني يا أهل الإسلام، لقد أنزِلتْ عليكم آية لو أنزِلتْ علينا لأتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعه عيداً وما بقي منّا إثنان وهي «اليوم أكملت لكم دينكم» فلم يجبه أحد منّا، فلقيتُ محمد بن كعب القرطبي فسألته عن ذلك، فقال: ألا رددتم عليه ؟ فقال عمر بن الخطاب أنزلتْ على النّبي وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين مابقي منهم

(1)صحيح البخاري 5 /127.


70

أحد(1) .

أوَّلاً ـ نلاحظ من خلال هذه الروايات أن المسلمين كانوا يجهلون تاريخ ذلك اليوم المشهود، ولا يحتفلون به مّما دعا اليهود مرّة والنصّارى أخرى أن يقولوا لهم: لو إن هذه الآية فينا أنزلت لأتخذنا يومها عيداً مّما حدا بعمر بن الخطاب أن يسأل أيةُ آية ؟ ولّما قالوا: «اليوم أكملتُ لكم دينكم» قال: إني لأعلم أي مكان أُنزلتْ، أُنزلتْ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفة.

فإننا نشمّ رائحه الدسّ والتعتيم من خلال هذه الرواية والذين وضعوا هذا الحديث على لسان عمر بن الخطاب في زمن البخاري أرادوا أن يوفّقوا بين آراء اليهود والنصارى في أن ذلك اليوم هو يوم عظيم يجب أن يكون عيداً، وبين ما هم عليه من عدم الإحتفال بذلك اليوم وعدم ذكره بالمرّة حتى تناسوه، والمفروض أن يكون من أكبر الأعياد لدى المسلمين إذ أن الله سبحانه أكمل لهم فيه دينهم وأتمَّ فيه نعمته عليهم ورضي لهم الإسلام ديناّ.

ولذلك ترى في الرواية الثانية قول الرواي عندما قال له النصراني: يا أهل الإسلام، لقد أنزلت عليكم آية لو أُنزلتْ علينا لأتخذنا ذلك اليوم عيداً مابقي منّا إثنان.

قال الرواي فلم يُجبْهُ أحدٌ منّا؛ وذلك لجهلهم بتاريخ وموقف ذلك اليوم وعظمته، ويبدو أن الراوي نفسه إستغرب كيف يغفل المسلمون عن الإحتفال بمثل ذلك اليوم ولهذا نراه يلقي محمد بن كعب القرطبي فيسأله عن ذلك فيردّ هذا الأخير بأنّ عمر بن الخطاب روي إنها انزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة.

فلو كان ذلك اليوم معروفاً لدى المسلمين على إنّه يوم عيد لما جهله هؤلاء الرّواة سواء أكانوا من الصحابة أم من التابعين، لأن الثابت المعروف لديهم أن

(1)جلال الدين السيوطي الدر المنثور في التفسير المأثور 3 /18.


71

للمسلمين عيدين إثنين وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، حتّى أن العلماء والمحدّثين كالبخاري ومسلم وغيرهما تراهم يخرجون في كتبهم كتاب العيدين ـ صلاة العيدين ـ خطبة العيدين الى غير ذلك من المتسالم عليه لدى خاصّتهم وعامّتهم، ولا وجود لعيد ثالث.

وأغلبُ الظنّ إن القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة ومؤسسي هذه النظرية هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خمّ بعد تأمير الإمام علي، فكان تحويل نزولها في يوم عرفة أهون وأسهل على القائلين به لأن يوم الغدير جمع مئه الف حاج أو يزيدون، وليس هناك مناسبة في حجة الوداع أقرب الى الغدير من يوم عرفة في المقارنة إذ أن الحجيج لم يجتمعوا على صعيد واحد إلا فيهما، فالمعروف إن النّاس يكونون متفرّقين جماعات واشتاتاً في كل أيام الحجّ ولا يجتمعون في موقف واحد إلا في عرفة.

ولذلك نرى إن القائلين بنزولها يوم عرفة يقولون بنزولها مباشرة بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشهيرة والتي أخرجها المحدّثون.

واذا كان النّص بالخلافة على علي بن بي طالب قد صرفوه عن حقيقتة وباغتوا النّاس «بمن فيهم علياً نفسه والذين كانو منشغلين معه بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودفنه» بالبيعة لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة على حين غفلة، وضربوا بنصوص الغدير عرض الجدار وجعلوه نسيا منْسيَّاً، فهل يمكن لأي أحد بعد الذي وقع أن يحتجّ بنزول الآية يوم الغدير ؟

فليست الآيه أوضح في مفهومها من حديث «الولاية» وإنّما تحمل في معناها إكمال الدّين وإتمام النعمّة ورضا الربّ ليس إلا، وإن كانت تنطوي على إشعار بحصول حدات لهم في ذلك اليوم هو الذي سبب كمال الدين.

ومّما يزيدنا يقيناً بصحة هذا الإعتقاد، ما رواه إبن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال: قال كعب «لو إن غير هذه الأمّة نزلتْ عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أُنزلتْ فيه عليهم فاتّخدوه عيداً يجتمعون فيه» ! فقال عمر: وأي آيه يا


72

كعب ؟ فقال: اليوم أكملتُ لكم دينكمْ فقال عمر: لقد علمتُ اليوم الذي أُنزلتْ والمكان الذي نزلتْ فيه، نزلتْ في يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد(1) .

ثانيا ـ على ان القول بنزول الآية اليوم أكملت لكم دينكم في يوم عرفة يتنافى مع آية البلاغ يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك والتي تأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغ أمر مهم لا تتم الرسالة إلا به، والتي سبق البحث وتبينّ نزولها بين مكة والمدينة بعد حجة الوداع وهو مارواه أكثر من مائة وعشرين صحابياً وأكثر من ثلاثمائة وستين من علماء أهل السنة والجماعة، فكيف يكمل الله الدّين ويتمّ النعمة في يوم عرفه ثم بعد إسبوع يأمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم وهو راجع الى المدينة بإبلاغ شيء مهم لا تتم الرسالة إلا به ؟؟ كيف يصحّ ذلك يا أولي الألباب ؟؟؟

ثالثا ـ إن الباحث المدقق إذا أمعن في النظر في خطبة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم يوم عرفه لا يجد فيها أمراً جديداً يجهله المسلمون والذي يمكن إعتباره شيئاً مهمّاً أكمل الله به الدّين وأتّم به النّعمة، اذ ليس فيها إلا جملة من الوصايا التي ذكرها القرآن أو ذكرها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في عدة مناسبات وأكدّ عليها يوم عرفة. وإليك ما جاء في الخطبة على ماسجّله كل الروّاه:

ـ إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا ويومكم هذا.

ـ إتّقوا الله ولا تبخسوا ألنّاس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها.

ـ الناس في الإسلام سواء لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى.

ـ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وكل ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي.

(1) الدّر المنثور للسيوطي في تفسير الآية /اليوم أكملت لكم دينكم //

سوره المائدة.


73

ـ أيها الناس إنّما النسيء زيادة في الكفر … إلا وإن الزمان قد إستدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض.

ـإن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً في كتاب الله منها أربعة حرمٌ.

ـ أوصيكم بالنساء خيراً، إنّما إتخذتموهن لأمانة الله وإستحللتم فروجهن بكتاب الله.

ـ أوصيكم بمن ملكت أيمانكم فاطعموهم ممّا تأكلون وإلبسوهم مّما تلبسون.

ـ إنّ المسلم أخو المسلم، لا يغشّه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحل له دمه ولا شيء من ماله.

ـ إن الشيطان قد يأس أن يُعبد بعد اليوم ولكن يُطاع فيما سوى ذلك من أعمالكم التي تحتقرون. ـ

أعدى الأعداء على الله قاتل غير قاتله، وضارب غير ضاربه ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أَنّزلَ الله على محمد، ومن إنتمىالى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

ـ إنما أُمرتُ أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله، واذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحق وحسابهم على الله.

ـ لا ترجعوا بعدي كفاراً، مضلّين يضرب بعضكم رقاب بعض.

هذا كل ماقيل في خطبة عرفة من حجة الوداع وقد جمعتُ فصولها من جميع المصادر الموثوقة حتى لايبقى شيء من وصاياه صلّى الله عليه وآله وسلّم التي ذكرها المحدثون إلا أخرجتها فهل فيها شيء جديد بالنسبة للصحابة ؟ كلا فكل ماجاء فيها مذكور في القرآن ومبين حكمه في السنّه النبّوية، فقد قضى صلى الله عليه وآله وسلم حياته كلها يبينّ للناس مانزّل إليهم ويعلّمهم كل صغيرة وكبيرة، فلا وجه لنزول آية «إكمال الدّين وإتمام النعمة ورضا الله» بعد هذه الوصايا التي يعرفها المسلمون، وإنما أعدها عليهم للتأكيد لأنّهم لأوّل مرّه يجتمعون عليه


74

بذلك العددالهائل ولأنه أخبرهم قبل الخروج الى الحجّ بأنها حجة الوداع فكان واجباً عليه أن يسمعهم تلك الوصايا.

أمّا إذا أخذنا بالقول الثاني: وهو نزول الآية يوم غذير خمّ بعد تنصيب الإمام علي خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأميراً للمؤمنين، فإنّ المعنى يستقيم ويكون مطابقاً، لأن الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم من أهمّ الأمور ولا يمكن أن يترك الله عباده سدى ولا ينبغي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يذهب دون إستخلاف ويترك أمته هملاً بدون راعٍ وهو الذي ماكان يُغادر المدينة إلا ويستخلف عليها أحداً من أصحابه، فكيف نصدّق بأنّه إلتحق بالرفيق الأعلى وما فكّر بالخلافة ؟؟؟.

وإذا كان ألمُلحدون في عصرنا يؤمنون بهذه القاعدة ويسرعون الى تعيين خلف للرئيس حتّى قبل موته ليَسوسَ أمور الناس ولا يتركونهم يوماً واحداً بدون رئيس !

فلا يمكن أن يكون الدّين الإسلامي وهو أكمل الأديان وأتمها والذي ختم الله به كل الشرائع أن يُهمل أمراً مهماً كهذا.

وقد عرفنا فيما تقدم بأن عائشة وإبن عمر وقبلهما أبو بكر وعمر أدركوا كلهم بأنه لابد من تعيين الخليفة وإلا لكانت فتنة، كما أدرك ذلك من جاء بعدهم من الخلفاء فكلُّهم عَيّنوا مَنْ بعدهم فكيف تغيب هذه الحكمة على الله وعلى رسوله ؟؟؟

فالقولُ بأنّ الله سبحانه أوحى الى رسوله في الآية الأولى «آية البلاغ» وهو راجع من حجة الوداع بأنْ يُنصّب عليّاً خليفة له بقوله: يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزلَ إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالتهُ والله يعصمك من الناس أي: يامّحمد إنْ لم تبلّغ ماأمرتك به بأنّ علياً هو ولي المؤمنين بعدك فكأنك لم تُكمل مهمتك التي بُعثتَ بها، إذ أن إكمال الدّين بالإمامة أمرٌ ضروري لكل العقلاء.


75

ويبدو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخشى معارضتهم له أو تكذيبهم، فقد جاء في بعض الروايات: قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كلّ أبيض وأسود: أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي، فسألتُ جبرئيل أن يستعفي لي ربّي لعلمي بقلّة المتّقين وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعلي وشدّة إقبالي عليه حتى سمّوني إذناً، فقال تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذنٌ قل أذن خير لكم ولو شئتُ أن أسميهمّ وأدلُ عليهم لفعلتُ ولكنّي بسترهم قد تكرّمتُ، فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فإعلموا معاشر الناس إن الله قد نصّبه لكم ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل أحد … الخطبه(1) .

فلمّا أنزل الله عليه والله يعصمك من الناس أسرع في نفس الوقت وبدون تأخير بإمتثال أمر ربّه فنصب علياً خليفة من بعده وأمر أصحابه بتهنئته بإمارة المؤمنين ففعلواوبعدها أنزل الله عليهم اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً .

أضف الى كل ذلك إنّنا نجد بعض علماء أهل السنّة والجماعة يعترفون صراحة بنزول آية البلاغ في إمامة علي فقد رووا عن إبن مردويه عن إبن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل اليك من ربّك ـ إنّ عليّاً مولى المؤمنين ـ وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس(2) .

وبعد هذا البحث إذا أضفنا روايات الشيعة عن الأئمة الطاهرين يتجلّى لنا

(1)أخرجها بكاملها الحافظ إبن جرير الطبري في كتاب الولاية كما أخرج جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ج 2 /298 خطبة في نفس المعنى بألفاظ متقاربه.

(2) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 3 /57.

جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ج2 / 298 عن إبن عباس.


76

بأن الله أكمل دينه بالإمامة ولذلك كانت الإمامة عند الشيعة اصلاً من أصول الدّين.

وبإمامة علي بن أبي طالب أتمّ الله نعمته على المسلمين لئلا يبقوا هملاً تتحاذبهم الأهواء وتمزّقهم الفتن فيتفرقوا كالغنم بدون راع ـ

ورضي لهم الإسلام ديناً، لأنّه إختار لهم أئمة أذهب عنهم الرجس وطّهرهم وأتاهم الحكمة وورثهم علم الكتاب ليكونوا أوصياء محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم فيجب على المسلمين أن يرضوا بحكم الله وإختياره ويسلّموا تسليماً، لأن مفهوم الإسلام العام هو التسليم لله قال تعالى: وربّك يخلق مايشاء ويختار ماكان له الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربّك يعلم ما تكنْ صدورهم وما يُعلنون وهو الله لا إله إلا هُو له الحمدُ في الأولى والآخرة وله الحكمُ وإليه ترجعون (1) .

ومن خلال كل ذلك يُفهمُ بأن يوم الغدير إتخذه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم عيد اذ بعد تنصيب الإمام علي وبعد أن نزل عليه قوله: اليوم أكملتُ لكم دينكم … الآية: قال: الحمد لله على إكمال الدّين، وإتمام النّعمة، ورضى الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي(2) ثم عقد له موكباً للتهنئة وجلس صلى الله عليه وآله وسلم في خيمة وأجلس عليَّاً بجانبه وأمر المسلمين بما فيهم زوجاته أمهات المؤمنين أن يدخلوا عليه أفواجاً ويهنّئوه بالمقام ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل النّاس ما أمروا به وكان من جملة المهنئينّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بهذه المناسبة أبو بكر وعمر.

وقد جاءا إليه يقولان له: بخٍ بخٍلك يا إبن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ

(1) سورة القصص آيه 68 ـ 69 ـ 70.

(2) الحاكم الحسكاني عن بي سعيد الخدري في تفسيره للآية. والحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «ما نزل من القرآن في علي».


77

مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة(1) .

ولمّا عرف حسّان بن ثابت شاعر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فرح النبي وإستبشاره في ذلك اليوم قال: أتأدن لي يارسول الله أن أقول في هذا المقام أبياتاً تسمعهن، فقال: قل على بركة الله، لا تزال ياحسّان، مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

فأنشد يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم
بخمّ فأسمع بالرسول مناديا

الى آخر الأبيات التي ذكرها المؤرخون(2) .

ولكنّ ورغم كل ذلك فإنّ قريشاً إختارت لنفسها وأبتْ أن تكون في بني هاشم النبوّة والخلافة فيجحفون على قومهم بُجُحاُ بُجَّحاً، كما صرّح بذلك عمر بن الخطاب لعبدالله بن عبّاس في محاورة دارت بينهما(3) .

فلم يكن في وسع أحد أن يحتفل بذلك العيد بعد ذكراه الأولى التي أحتفل بها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وإذا كانوا قد تناسوا نصّ الخلافة وتلاشى من أذهانهم ولم يمض عليه من

(1)روى هذه القصّة كل من الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه سرّ العالمين ص 6كما رواها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 4 /281.

والطبري في تفسيره 3 / 428 والبيهقيوالثعلبي، والدار قطني والفخر الرّازي وإبن كثير وغيرهم.

(2) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه مانزل من القرآن في علي.

ـ الخوارزمي المالكي في كتاب المناقب ص0 8 ـ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب.

ـ جلال الدين السيوطي في كتابه ـ الإزدهار فيما عقده الشعراء من الأشعار.

(3) الطبري في تاريخه 5 / 31.

تاريخ ابن الأثير 3 /31 وشرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد 2 /18.


78

الوقت غير شهرين ومع ذلك لم يتكلم به أحد، فكيف بذكر الغدير التي مضى عليها عام كامل، على إن هذا العيد مربوط بذلك النص على الخلافة فإذ إنعدم النّص وزال السببُ لم يبق في ذلك العيد أثرٌ يذكر.

ومضت على ذلك السنون حتّى رجع الحق إلى أهله بعد ربع قرن، فأحياها الإمام علي من جديد بعد ما كادت تُقبرُ وذلك في الرحبة عندما ناشد أصحاب محمد ممن حضر عيد الغدير أن يقوموا فيشهدوا أمام النّاس ببيعة الخلافة فقام ثلاثون صحابياً منهم ستةّ عشر بدريَّاً وشهدوا(1) والذي كتم الشهادة وإدّعى النسيان، كأنس بن مالك الذي أصابتْه دعوى علي بن أبي طالب فلم يقم من مقامه ذلك إلا أبرص فكان يبكي ويقول أصابتني دعوة العبد الصالح لأني كتمتُ شهادته(2) وبذلك أقام أبو الحسن الحجّة على هذه الأمّة ومنذ ذلك العهد وحتّى يوم الناس هذا وإلى قيام الساعة يحتفل الشيعة بذكرى يوم الغدير وهو عندهم العيد الأكبر، كيف لا وهو اليوم الذي أكمل الله لنا فيه الدّين وأتمّ فيه علينا النعمة ورضي بالإسلام لنا ديناً، وهو يوم عظيم الشأن عند الله ورسوله والمؤمنين، ذكر بعض علماء أهل السنة عن أبي هريرة إنه قال: لّما أخد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد علي وقال: من كنتُ مولاه فعلي مولاه.. الى آخر الخطبة، فأنزل الله عزّ وجلّ اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً قال أبو هريرة وهو يوم غدير خم من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهرا(3) .

(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 4 /370 وكذلك 1 / 119. النسائي في الخصائص ص 19 ـ كنز العمال/397 ـ إبن كثير في تاريخه 5 / 211.

. ـ إبن الأثير في أسد الغابه 4 / 28 وإبن حجر العسقلاني في الإصابة 2 /408 ـ السيوطي في جمع الجوامع.

(2) مجمع الزوائد للهيثمي 9 /106 ـ إبن كثير في تاريخه 5 / 211.

إبن الأثير في أسد الغابه 3 /321 ـ حلية الأولياء 5 /26.

أحمد بن حنبل 1 /119.

(3) إبن كثير في كتاب البداية والنهاية 5 /214.


79

أمّا روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في فضائل ذلك اليوم فحدّث ولا حرج، والحمد لله على هدايته أن جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين والمحتفلين بعيد الغدير.

وخلاصة البحث أن حديث الغدير «من كنتُ مولاه فعلي مولاه، أللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وإنصر من نصره وإخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار» هو حديث أو بالأحرى هي حادثة تاريخية عظيمة أجمعت الأمة الإسلامية على نقلها، فقد مرعلينا ذكر ثلاثمائه وستين من علماء أهل السنة والجماعة وأكثر من ذلك من علماء الشيعة.

ومن أراد البحث والمزيد فعليه بكتاب الغدير للعلاّمة الأميني.

وبعد الذي عرضناه لا يُستغربُ أنْ تنقسمَ الأمّة الإسلامية الى سنة وشيعة، تمسّكت الأولى بمبدأ الشورى في سقيفة بني ساعدة، وتأولتْ النّصوص الصريحة وخالفتْ بذلك ما أجمع عليه الرواة من حديث الغدير، وغيره من النصوص.

وتمسكتْ الثانية بتلك النّصوص فلم ترض عنها بدلاً وبايعتْ الأئمة الأثني عشر من أهل البيت ولم تبغ عنهم حولاً والحقّ إنّني عندما أبحثْ في مذهب أهل السنّة والجماعة خصوصاً في أمر الخلافة، أجد المسائل مبنيةً على الظنّ والإجتهاد، لأنّ قاعدة الإنتخاب ليس فيها دليل قطعي على أنّ الشخص الذي نختاره اليوم هو أفضل من غيره لأننا لا نعلمُ خائنه الأعين وما تُخفي الصدور، ولأنّنا في الحقيقية مركّبون من عواطف وعصبيات وأنانية كاملة في نفوسنا وستلعب هذه المركبات دورها إذا ما أوكل الينا إختيار شخص من بين اشخاص.

وليستْ هذه الأطروحة خيالاً أو أمراً مبالغاً فيه، فالمتتبّع لهذه الفكرة، فكرة إختيار الخليفة سيجد ان هذا المبدأ الذي يطبّل له لم ينجح ولا يمكن له أن ينجح أبداً.

فهذا أبو بكر زعيم الشورى بالرغم من وصوله الى الخلافة «بالإختيار


80

والشورى»، نراه عندما شارف على الوفاة أسرع الى تعيين عمر بن الخطاب خليفةً له ! دون إستعمال طريقة الشورى. وهذا عمر بن الخطاب الذي ساهم في تأسيس خلافة أبي بكر نراه ـ بعد وفاة أبي بكر يُعلن على الملأ بأن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله المسلمين شرّها(1) .

ثم بعد ذلك نرى أن عمراً عندما طُعن وأيقن بدنو أجلـه عينّ ستّة أشخاص ليختاروا بدورهم واحداً منهم ليكون خليفة، وهو يعلم علم اليقين أنّ هؤلاء النفر على قلّتهم سيختلفون رغم الصحبة والسبق للإسلام والورع والتقوى فتثور فيهم العواطف البشرية التي لا ينجو منها إلاّ المعصوم، ولذلك نراه ـ لحسم الخلاف ـ رجّح كفّه عبدالرحمن بن عوف فقال ـ أذا إختلفتُم فكونوا في الشق الذي فيه عبدالرحمن بن عوف ونرى بعد ذلك بأنهم إختاروا الإمام علياً ليكون خليفة ولكنّهم إشترطوا عليه أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين أبي بكر وعمر وقَبِلَ عليُّ كتاب الله وسنة رسوله ورفض سنة الشيخين(2) وقَبلَ عثمان هذه الشروط فبايعوه بالخلافة وقال علي في ذلك:

«فيا لله وللشّورى متى إعترض الريبُ فيَّ مع الأول منهم حتّى صرتُ أُقرنُ الى هذه النظائر، لكني أسففتُ إذا أسّفوا وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هنٍ وهنٍ..»(3) .

وإذا كان هؤلاء وهم نخبة المسلمين وهم خاصّة الخاصّة تلعبُ بهم العواطف فيكون فيهم الحقد وتكون فيهم العصبية بينهن وهن «يقول محمد عبده في شرحه لهذه الفقرة: يشير الإمام علي الى أغراض أخرى يكره ذكرها» فعلى الدنيا بعد ذلك السلامّ.

(1)صحيح البخاري 8 /26 باب رجم الحبلى من الزنـا.

(2) تاريخ الطبري وإبن الأثير بعد موت عمر بن الخطاب وإستخلاف عثمان

(3) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 1 /88.


81

على أن عبدالرحمن بن عوف ندم فيما بعد على إختياره، وغَضبَ على عثمان وإتّهمه بخيانه العهد لّما حدث في عهده ماحدث وجاءه كبار الصحابة يقولون له: يا عبدالرحمن هذا عمل يديك. قال لهم: ما كنتُ أظنّ هذا به ولكن لله عليَّ ألا أكلمه أبداً. ثم مات عبدالرحمن بن عوف وهو مهاجر لعثمانحتى رووا أنّ عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول بوجهه الى الحائط ولم يكلّمه(1) .

ثم كان بعد ذلك ما كان وقامت الثوره على عثمان وإنتهت بقتله، ورجعتْ الأمّة بعد ذلك للإختيار من جديد وفي هذه المرّة إختاروا عَّلياً ولكنْ يا حسرة على العباد: فقد إضطربتْ الدولة الإسلامية وأصبحت مسرحا للمنافقين ولإعدائه المُناوئين والستكبرين والطامعين لإرتقاء منصّة الخلافة بايّ ثمن وعلى أي طريق ولو بإزهاق النفوس البريئه، وقد تغيرتْ أحكام الله ورسوله على مرّ تلك السّنين الخمس والعشرين ووجد الإمام علي نفسه وسط بحر لّجي وأمواج متلاطمة وظلمات حالكة وأهواء جامحة وقضى خلافته في حروب دامية فُرضتْ عليه فرضاً من الناكثين والقاسطين والمارقين ولم يخرج منها إلاّ بإستشهاده سلام الله عليه وهو يتحسّر على أمّة محمد وقد طمع فيها الطليق بن الطليق معاوية بن أبي سفيان وأضرابه كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم وغيرهم كثيرون، وما جرًّأ هؤلاء على مافعلوه إلاّ فكرة الشورى والإختيار.

وغرقت أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم في بحر من الدّماء، وتحكّم في مصيرها سفهاؤها وأرذالُها وتحوّلتْ الشورى بعد ذلك الى الملك العضوض، الى القيصرية والكسروية.

وإنتهت تلك الفتره التي أطلقوا عليها إسم الخلافة الرّاشدة وبها سمّوا الخلفاء الأربعة بالراشدين والحقّ إنّه حتّى هؤلاء الأربعة لم يكونوا خلفاء بالإنتخاب والشورى سوى أبي بكر وعلي، وإذا إستثنينا أبا بكر لأنّ بيعته كانت

(1) تاريخ الطبري وإبن الأثير في حوادث سنة 36 للهجرة محمد عبده في شرح النهج 1 /88.


82

فلتَة على حين غفلة ولم يحضرها «الحزب المعارض» كما يقال اليوم وهم علي وسائر بني هاشم ومن يرى رأيهم، لم يبق معنا من عُقدتْ له بيعة بالشورى والإختيار إلا علي بن أبي طالب الذي بايعه المسلمون رغم انفه وتخلّف عنه بعض الصحابة فلم يفرض عليهم ولا هدّدهم.

وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون علي بن أبي طالب خليفة لرسول الله بالنّص من الله وكذلك بالإنتخاب من المسلمين وقد إجتمعت الأمة الإسلامية قاطبة سنّة وشيعة على خلافة علي وإختلفوا على خلافة غيره كما لا يخفى. أقول ياحسرة على العباد لو إنّهم قبلوا ما إختاره الله لهم لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ولأنزل الله عليهم بركات من السّماء ولكان المسلمون اليوم أسياد العالم وقادته كما أراد الله لهم لو إتّبعوه وأنتَّم الأعلون إن كنتم مؤمنين .

ولكنّ إبليس اللّعين عدوُنا المبين: قال مخاطباً ربّ العزة: فبما أغويتني لأقعدنّ لهم سراطك المستقيم، ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (1) .

فلينظر العاقل اليوم إلى حالة المسلمين في العالم، وهم أذلاّء لا يقدرون على شيء يركضون وراء الدّول معترفين بإسرائيل وهي ترفض الإعتراف بهم ولا تسمح لهم حتى بالدخول الى القدس التي صبحت عاصمة لها، وإذا مارأيت بلاد المسلمين اليوم ترى إنهم تحت رحمة امريكا وروسيا وقد أكل الفقر شعوبهم وقتلهم الجوع والمرض، في حين تأكل كلاب أوربا شتّى أنواع اللحوم والأسماك، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

وقد تنبأتْ سيدة النساء فاطمه الزهراء سلام الله عليها عندما خاصمتْ أبا بكر وخطبتْ خطبتها في نساء المهاجرين والأنصار وقالت في آخرها مُخبرةً عن مآل الأمة:

(1)سورة الأعراف آية 16 ـ 17.


83

أما لعمري لقد لقحتْ فنظرت ريثما تُنتجْ، ثم إحتلبوا ملأ القعب دما عبيطاً وزُاعفاً مبيداً، هناك يخسر المبطلون ويعرف التَالونْ غبْ ما أمسّه الأوّلون، ثم طيبوا عن دنياكم أنفساً وإطمئنّوا للفتنه جأشاً، وإبشروا بسيف صارم وسطوه معتدٍ غاشم وهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدعُ فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فياحسرةً لكم، وأنّى بكم، وقد عُمّيتْ عليكم أنلزمكموها وانتم لها كارهون»(1) .

صدقتْ سيده النساء فيما تنبأتْ به وهي سليلة النّبوة ومعدن الرساله، وقد تجسدت اقوالها في حياة الأمة ومن يدري لعلّ الذي ينتظرها أبشّع مّما إقضى، ذلك بأنهم كَرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم.

العنصر المهم في البحث

بَقِيَ عنصرٌ واحدٌ مهمّ في كل هذا البحث يستحقّ العناية والدرس، وربما هو الإعراض الوحيد الذي كثيراً ما يثار عندما يُفحمُ المعاندون بالحُجج الدّامغة فتراهم يلجأون الى الإستغراب وإستبعاد أن يكون قد حضر تنصيب الإمام علي مائة الف صحابي ثم يتواطئون كلهم على مخالفته والإعراض عنه وفيهم خيرة الصحابة وأفضل الأمّة ! وهذا ماوقع لي بالذات عند اقتحام البحث فلم أصدّقْ ولا يمكن لأحدٍ أن يصدّقْ إذا ماطُرحتْ القضيه بهدا الطرح، ولكن عندما ندرُس القضيه من جميع الجوانب يزول الإستغراب لأنّ المسألة ليستْ كما نتصورها أو كما يعرضها أهل السنّة فحاشى أن يكون مائة ألف صحابي خالفوا أمر الرسول، فكيف وقعت الواقعة إذن ؟

(1)الطبري في دلائل الإمامة.

ـ بلاغات النساء لإبن طيفور.

ـ أعلام النساء تأليف عمر رضا كحاله 4 /123

ـ إبن أبي الحديد في شرح النهج.


84

أولاً ـ لم يكن يسكن المدينه المنوره كل من حضر بيعة الغدير وإنّما كان كما هو المفروض وعلى أكبر تقدير ثلاثة أو أربعة الآف منهم يسكنون المدينة، ذا عرفنا إن هؤلاء فيهم الكثير من الموالي والعبيد والمستضعفين الذين قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من مناطق عديدة وليس لهم في المدينة قبيلة ولا عشيرة أمثال أهل الصّفة، وفلا يبقى معنا إلا نصفهم يعني الفين فقط وحتّى هؤلاء فهم خاضعون لرؤساء القبيلة ونظام العشيرة التي ينتمون اليها، وقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك فكان إذا قدم عليه وفدٌ ولىّ عليهم زعيمهم وسيدهم، ولذلك وجدنا إصطلاحاً على تسميتهم في الإسلام بأهل الحل والعقد.

وإذا مانظرنا الى مؤتمر السقيفة الذي إنعقد عند وفاة الرسول مباشرة وجدنا أن الحاضرين الذين إتخذوا قرار إختيار أبي بكر خليفة لا يزيد على مائة شخص على أكثر تقدير لأنه لم يحضر من الأنصار وهم أهل المدينة إلا أسيادهم وزعماؤهم، كما لم يحضر من المهاجرين وهم أهل مكة الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة أو أربعة أشخاص يمثلون قريش ويكفي دليلاً أن نتصوّر ماهو حجم السقيفه فكلنا يعرف ماهي السقيفة التي ما كانت تخلوا منها أي دار فليست هي قاعة الحفلات ولا قصر المؤتمرات، فإذا ماقُلنا بحضور مائة شخص في سقيفة بني ساعدة فذلك مبالغه مّنا حتّى يفهم الباحث بأن المائة ألف لم يكونوا حاضرين ولا سمعوا حتى مادار في السقيفة إلا بعد زمن بعيد فلم تكن هناك مواصلات جوية ولا هواتف لاسلكية ولا أقمار صناعية.

وبعد إتّفاق هؤلاء الزعماء على تعيين أبي بكر ورغم معارضة سيد الأنصار سعد بن عبادة زعيم الخزرج وإبنه قيس، إلا ان الأغلبية الساحقة «كما يقال اليوم» أبرمتْ العقد وتصافقتْ عليه في حين كان اغلب المسلمين غائبين عن السقيفة وكان بعضهم مشغولا بتجهيزالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو مذهولاً بخبر موته وقد أرعبهم عمر بن الخطاب وخوّفهم إن قالوا بموته(1) .

(1)صحيح البخاري 4 /195.


85

أضف الى ذلك إن اغلب الصحابة عبّأهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في جيش أسامة وأكثرهم كانوا معسكرين بالجرف ولم يحضروا وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم ولا حضروا مؤتمر السقيفة.

فهل يُعقلُ بعد هذا الذي وقع أن يعارض أفراد القبيلة أو العشيرة زعيمهم فيما أبرمه خصوصاً وأن فيما أبرمه الفضل العميم والشرف الكبير الذي تسعى اليه كل قبيلة منهم ومن يدري لعله يلحقهم في يوم من الأيام شرف الرئاسة على كل المسلمين، ما دام صاحبها الشرعي قد أُبعِدَ وأصبح الأمر شورى يتداولونه بينهم بالتناوب، فكيف لا يفرحون بذلك وكيف لا يؤيدونه ؟

ثانياـ اذا كان أهل الحل والعقد من سكّان المدينة قد أبرموا أمراً فليس للقاصين البعيدين من أطراف الجزيرة أن يعارضوا، وهم لا يدرون مايدور في غيابهم فوسائل النقل في ذلك العهد كانت بدائية، ثم إنهم يتصوّرون بأن سكّان المدينة يعيشون مع رسول الله فهم أعلم بما يستجد من أحكام قد ينزل بها الوحي في أي ساعة وفي أي يوم. ثم بعد ذلك ما يهمّ رئيس القبيلة البعيد عن العاصمة من أمر الخلافة شيئا فبالنسبة اليه سواء أكان أبو بكر خليفة او علي أو أي شخص آخر، فأهل مكة أدرى بشعابها والمهم عنده هو بقاؤه هو على رئاسة عشيرته ولا ينازعه فيها أحد.

ومن يدري لعلّ البعض منهم تسائل عن الأمر وأراد أن يستطلع الخبر غير أن اجهزة الحكم اسكتته سواء بالترغيب أو بالترهيب، ولعلَّ في قصة مالك بن نويرة الذي إمنتع عن دفع الزكاة إلى أبي بكر مايؤكد حصول ذلك.

والمتتبّع لتلك الأحداث التي وقعتْ في حرب مانعي الزكاة ايام أبي بكر يجد كثيراً من التناقضات ولا يقتنع بما أورده بعض المؤرخين للحفاظ علي كرامة الصحابة وخصوصاً الحاكمين منهم.

ثالثا ـ عنصر المفاجئة في القضية لعبَ دورا كبيراً في قبول مايُسمّى اليوم «بالأمر الواقع» فلقد عُقد مؤتمر السقيفة على حين غفله من الصحابة الذين


86

شغلوا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن هؤلاء الإمام علي والعباس وسائر بني هاشم والمقداد وسلمان وأبي ذر وعمار والزبير وغير هؤلاء كثير ولما خرج أصحاب السقيفة يزفّون أبا بكر إلى المسجد داعين الى البيعة العامة والناس يُقبلون على البيعة أفواجاً وزرافات طوعاً وكرهاً، لم يكن علي وأتباعه قد فرغوا بعد من واجبهم المقدّس الذي فرضته عليهم اخلاقهم السامية فلا يمكن لهم أنْ يتركوا رسول الله صلى الله عليه وآلله وسلم بدون تغسيل وتكفين وتجهيز ودفن ويتسارعوا الى السقيفة ليتنازعوا حول الخلافة.

وما أن فرغوا من واجبهم حتّى إستتبّ الأمر لأبي بكر وبات من يتخلّف عن بيعته معدودا من أصحاب الفتنة الذي يشق عصا المسلمين فيجب على المسلمين مقاومته أو حتّى قتله إن لزم الأمر. ولذلك نرى عمر قد هدّد سعد بن عبادة بالقتل لّما إمتنع عن بيعة أبي بكر وقال إقتلوه انه صاحب فتنة(1) وهدّد بعد ذلك المتخلّفين في بيت علي بحرق الدار ومن فيها، وإذا عرفنا رأي عمر بن الخطاب في خصوص البيعة فهمنا بعد ذلك كثيراً من الألغاز التي بقيت محيّرة.

فعُمر يرى بأنّه يكفي لصحة ألبيعة أن يسبق اليها أحد المسلمين فيجب على الأخرين مبايعتهُ ومن عصا منهم فهو خارج من ربقة الإسلام ويجبُ قتلُه.

فالنستمع اليه يتحدّث عن نفسه في خصوص ألبيعة كما أخرجه البخاري في صحيحه(2) ، قال: يحكي عمّا وقع السقيفة:

«فكثُر اللّغطُ وارتفعت الأصواتُ حتّى فرقتْ من الإختلاف فقلتُ: إبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يدَهُ فبايعتهُ وبايعَهُ المهاجرون(3) والأنصار ونزونا على

(1)صحيح البخاري 8 /26. تاريخ الطبري ـ تاريخ الخلفاء لإبن قتيبة

(2) صحيح البخاري 8 /28 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

(3) ذكر كل المؤرخون بأنه لم يحضر في السقيفة إلا أربعة من المهاجرين فقوله، فبايعته وبايعه المهاجرون يعارضه قوله وخالف عنا علي والزبير ومن معهما قاله في نفس الخطبة إنظر صحيح البخاري 8 /26.


87

سعد بن عباده ففال قائل منهم: قتلتم سد بن عبادة، فقلتُ: قتل الله سعد بن عباده، قال عمر: وإنا والله ماوجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعه أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعهٌ أن يبايعوا رجُلاً منهم بعدنا فَإمّا بايعناهم على ما لا نرض وإمّا نخالفهم فيكو فسادٌ، فمن بايع رجُلاً‎ على غير مشوره من المسلمين فلا يتابعُ هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أنْ يقُتْلا».

فالمسأله عند عمر ليست إنتخاباً وإختياراً وشور وإنما يكفي ان يبادر احد لمسلمين بالبيعه لتكون حجه على الباقين ولذلك قال لأبي بكر: إبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعه بدون مشوره ولا ترّيث خوفاً من ان يسبق اليها أحد آخر، وقد عبّر عمر عن هذا الرأي بقوله: خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان يبايعوا رجُلاً منهم بعدنا «خشي عمر ان يسبقه الأنصار فبيايهوا رجُلاً منهم» ويزيدنا وضوحاً اكثر عندما يقول: فإمَّا بايعناهم على ما لا نرض وإمّا نخالفهم فيكون فسادُ(1) .

وحتى نكون منصفين في الحكم ومدقّقين في البحث يجبُ علينا ان نعترفَ بأنّ عمر بن الخطاب غير رأيه في البيعة في آخر أيام حياته وذلك عندما جاءه رجلٌ بمحضر عبدالرحمن بن عوف في آخر حجّة حجّها فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمرُ لقد بايعتُ فلاناً فوالله ماكانت بيعة ابي بكر إلا فلتة فتمّتْ. فغضب عمر، ولهذا قام في الناس خطيباً فور رجوعه الى المدينة فقال من جملة ما قال في خطبته:

«إنه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول والله لو مات عمر بايعتُ فلاناً ولا يغترنّ أمرؤ أن يقول أنّما كانت بيعةُ أبي بكر فلتةَ وتّمتْ ألاَ وإنّها كانتْ كذلك ولكنّ الله وقَى شرّها … (2) ثم يقول: من بايع رجلاً عن غير مشورةٍ من المسلمين فلا ُيبايعُ هو ولاَ الذي بايَعهُ تَغِرَّةً أنْ يُقْتلاَ …»(3) .

(1، 2، 3) صحيح البخاري 8 /26.


88

ليتَ عمر بن الخطاب كان على هذا الرأي يوم السقيفة ولم يستبدّ على المسلمين ببيعته لأبي بكر التي كانت فَلتَةٌ وقى الله شرها كما شهد هو بذلك. ولكنْ أنى لعمر أن يكون على هذا الرأي الجديد لأنّه حكمَ على نفسه وعلى صاحبه بالقتل اذ يقول في رأيه الجديد: «من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يُبايعُ هو وَلا الذي بايعَه تغرّةً أن يُقتلاً».

بقي علينا ان نعرف لماذا غيّر عمر رأيه في آخر حياته بالرّغم من أنّه يعرف اكثر من غيره بأنّه برأيه الجديد نسف بيعة ابي بكر من اساسها إذ أنه هو الذي سبق لبيعته من غير مشورة من المسلمين فكانت فلتَةًونسفَ أيضاً بيعتَه هو لأنه وصل للخلافه بنص أبي بكر عليه عند الموت من غير مشورة من المسلمين حتّى ان بعض الصحابه دخلوا عل ابي بكر مستنكرين عليه ان يولي عليهم فضَّا غليضاً(1) ، ولّما خرج عمر ليقرأ على الناس كتاب أبي بكر سأله رجلٌ: ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ قال: لأ أدري، ولكنّي أول من سمع وأطاع، قال الرجل: لكنّي والله أدري مافيه: أمّرتَه ُعام أول، وأمّرك العام(2) .

وهذا نظير قول الإمام علي لعمر (عندما رآه يحمِلُ الناس قهراً لبيعة أبي بكر) إحلب حلباً لك شطره، وأشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً …(3) .

والمهم أنْ نعرف لما غيّر عمر رأيه في البيعة ! أكادُ أعتقدُ بأنّه سمع بأنّ بعض الصحابة يريد بيعة علي بن ابي طالب بعد موت عمر وهذا ما لا يرضاه عمر ابداً وهوالذي عارض النصوص الصريحه وعارض ان يكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الكتاب(4) لأنه عرف فحواه حتىّ إتهمه بالهجر وخوف

(1) تاريخ الطبري إستخلاف عمر بن الخطاب.

شرح النهج لإبن أبي الحديد ج 1.

(2) الإمامه والسياسه لإبن قتيبه ج1 / 25.

باب مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما.

(3) الإمامه والسياسه لإبن قتيبه 1 /18.

(4) صحيح مسلم 5 /75 (كتاب الوصيه) صحيح البخاري 7 /6.


89

النّاس حتّى لايقولوا بموته(1) وذلك لئلاَّ يتسابقَ الناس ببيعة علي، وشيّد بيعة أبي بكر وحمل النّاس عليها بالقهر وهدّد كل من تخلّف بالقتل(2) كل ذلك في سبيل إبعاد علي عن الخلافة، فكيف يرضى إن يقول قائلٌ: بأنه سيُبايع فلاناً لو قد مات عمر، وخصوصاً بأن هذا القائل (الذي بَقي إسمه مجهولاً ولا شك إنَه من عظماء الصحابة) يحتحّ بما فعله عمر نفسه في بيعته لأبي بكر إذ يقول: فوالله ما كانتْ بيعة أبي بكر إلا فلتةً فتمّتْ. أي إنها بالرغم من كونها وقعتْ على حين غفلة من المسلمين وبدون مشورة منهم فقد تّمتْ وأصحبت حقيقة ولذا جاز لعمر أن يفعلها مع أبي بكر فكيف لايجوز له أن يفعلها هو بنفس الطريقة مع فلان ـ ونلاحظ هنا إن إبن عباس وعبدالرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب يتحاشون ذكرإسم هذا القائل كما يتحاشون ذكر إسم الذي يريد بيعته، ولمّا كان لهذين الشخصين أهميّة كبيرة لدى المسلمين نرى أن عمر غضب لهذه المقالة وبادر في أول جمعة بأن خطب النّاس وأثار موضوع الخلافة بعده وطلع عليهم برأيه الجديد فيها، حتّى يقطع الطريق على هذا الذي يريد إعادة الفلتة لأنها ستكون لصالح خصمه، على إنّنا فهمنا من خلال البحث بأن هذه المقالة ليستْ رأي فُلان وحده وإنّما هي رأي كثير من الصحابة ولذلك يقول البخاري: فغضب عمرُ ثم قال: إنني إنشاء الله لقائم العشية في الناس فمحذر هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم …(3) .

فتغيير عمر لرأيه في البيعة كان معارضة لهؤلاء الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمورهم ويبايعو علياً، وهذا ما لايرضاه عمر لأنه يعتقد بأن الخلافة هي من أمور الناس وليست حقا لعلي بن أبي طالب وإذا كان هذا الإعتقاد صحيحا فلماذا أجازهو لنفسه أن يغصب الناس أمورهم بعد موت النبي صلى الله عليه

(1)صحيح البخاري 4 /195.

(2) صحيح البخاري 8 /28 ـ وتاريخ الخلفاء 1 /19.

(3) صحيح البخاري 8 /25.


90

وآله وسلّم ويسارع لبيعة أبي بكر من غير مشورة المسلمين ؟

وموقفُ أبي حفص من أبي الحسن معروف ومشهور وهو إبعاده عن الحكم ما إستطاع لذلك سبيلاً.

وهذا الإستنتاج لم نستوحه من خطبته السّابقة فحسب ولكنّ المتتبع للتاريخ يعرف أنّ عمر بن الخطاب كان هو الحاكم الفعلي حتّى في خلافة أبي بكر ولذلك نرى أبا بكر يستأذن من أسامة بن زيد أن يترك له عمر بن الخطاب ليستعين به على أمر الخلافة(1) ـ ومع ذلك نرى علي بن أبي طالبيبقى بعيداّ عن المسؤلية فلم يولّوه منصباً ولا ولاية ولا أمّروه على جيشٍ ولا إئتمنوه على خزينة وذلك طّوال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكلّنا يعلم من هو علي بن أبي طالب.

والأغرب من كل هذا أنّنا نقرأ في كتب التاريخ بأن عمر لما أدركته الوفاة تأسّف أن لا يكون أبو عبيدة بن الجراح أو سالم مولي أبي حذيفة من الأحياء حتّى يولّيهم من بعده، ولكنّه ولا شك تذكر بأنّه سبق أن غير رأيه في مثل هذه البيعة وإعتبرها فلتة وغصباً لأمور المسلمين، فلا بدّ له إذن أن يخترع طريقة جديدة في البيعة لتكون حلاً وسطاً بينَ بين فلا يستبدّ أحد فيسبقُ بالبيعة لمن يراه صالحاً لَها ويحمل الناسَ على متابعته كما فعل هو مع أبي بكر وكما فعل أبو بكر معه هو أو كما يريد أن يفعل فلان الذي ينتظر موت عمر ليبايع صاحبه فهذا غير ممكن بعد أن حكم عمر عليها بالفلتة الإغتصاب. ولا يمكن له أيضاً أن يترك الأمر شورى بين المسلمين، وقد حضر مؤتمر السقيفة عقب وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ورأى بعينيه ماوقع من الإختلاف الذي كادت تُزهقُ فيه الأرواحوتُهرق فيه الدّماء.

وإخترع أخيراً أصحاب الشورى أو الستّة الذين لهم وحدهم حق إختيار الخليفه وليس لأحدٍ من المسلمين أن يشاركهم في ذلك، وكان عمر يعلم

(1) كما نصّ على ذلك إبن سعد في طبقاته وأكثرالمؤرخين الذين ذكروا سرية أسامة بن زيد.


91

إنّ الخلاف بين هؤلاء الستّة لا مفرّ منه ولذلك أوصى عند الإختلاف أن يكونوا مع الفريق الذي فيه عبدالرحمن بن عوف ولو أدّى الأمر الى قتل الثلاثه الذين يخالفون عبدالرحمن هذا في حال إنقسام الستّة الى قسمين وهو محالٌ لأنّ عمر يعرف بأنّ سعد بن أبي وقاص إبن عمّ لعبدالرحمن وكلاهما من بني زهره ويعلم إنّ سعد لايحبّ علياً وكان في نفسه شيء منه لأنّ علياً قتل إخواله من عبد شمس كما يعرف عمر إنّ عبدالرحمن بن عوف هو صهر عثمان لأن زوجته أم كلثوم هي أخت عثمانويعلم أيضاً إن طلحة ميّالٌ لعثمان لصلات بينهما على ماذكره بعض رواه الأثر وقد يكفي في ميله الى عثمان إنحرافه عن علي لأنّه تيمي وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان الخلافه لأبي بكر(1) .

كان عمر يعلم كل ذلك ومن أجل هذا كان إختياره لهؤلاء بالذّات.

إختار عمر هؤلاء الستّة وكلّهم من قريش وكلّهم من المهاحرين وليس فيهم واحدّ من ألأنصار وكلّهم يمثل ويتزعّم قبيلة لها أهميتها وتأثيرها.

1 ـ علي بن أبي طالب زعيم بني هاشم.

2 ـ عثمان بن عفان زعيم بني أميّه.

3 ـ عبدالرحمن بن عوف زعيم بني زهره.

4 ـ سعد بن أبي وقاص هو من بني زهره وأخواله بني أميه.

5 ـ طلحة بن عبيد الله هو سيد بني تيم.

6 ـ الزبير بن العوّام هو إبن صفية عمة الرسول وهو زوج أسماء بنت أبي بكـر.

فهؤلاء هم أهل الحلّ والعقد وكلامهم نافذٌ على كل المسلمين سواء منهم سكان المدينه (عاصمة الخلافه) أو غيرهم في كل العالم الإسلامي ومَا على المسلمين إلاّ السّمع والطاعة بدون نقاش ومن يخرج منهم على ذلك فهو مهدور

(1)محمد عبده في شرح نهج البلاغه 1 /88.


92

الدّم. وهذا بالذات الذي أردنا تقريبه من ذهن القاريء بخصوص السكوت عن نص الغدير، فيما تقدّم.

وإذا كان عمر، يعلم نفسيات هؤلاء الستّة وعواطفهم وطموحاتهم فإنه بلا شكّ قد رشّح عثمان بن عفّان للخلافة أو انه كان يعلم إن الأكثريه من هؤلاء الستّة لايرضون بعلي وإلاّ لماذا وبأيّ حقّ يرجّح كفّة عبدالرحمن بن عوف على علي بن أبي طالب والحال إنّ المسلمين منذ وُجدُوا وحتّى اليوم إنّما يتنازعون في أفضلية علي وأبي بكر ولم سمع أحداً يقارن علياً بعبدالرحمن بن عوف.

وهنا أقفُ وقفةً لابدّ منها، لأسألَ أهل السنّة والجماعة القائلين بمبدأ الشورى وهل الفكر الحرّ كافة، أسألُ كل هؤلاء كيف توفّقون بين الشورى بمعناها الإسلامي وبين هذه الفكره التي إن دلّتْ على شيء فإنما تدلّ على الإستبداد بالرأي، لأنه هو الذي إختار هؤلاء النفر وليس المسلمون، وإذا كان وصوله للخلافة فلتةً فبأيّ أي حقّ يفرض على المسلمين حد هؤلاء الستّة ؟ !

والذي يبدو لنا أن عمر يرى الخلافه حقاً من حقوق المهاجرين وحدهم وليس من حق أحد أن ينازعهم هذا الأمر، بل اكثر من هذا يعتقد عمر كما يعتقد أبو بكر بأن الخلافة لملك لقريش وحدها، إذ في المهاجرين من ليسوا من قريش، بل فيهم من ليسوا من العرب، فلا يحق لسلمان الفارسي ولا لعمار بن ياسر، ولا لبلال لحبشي ولا لصهيب الرومي ولا لأبي ذرالغفاري ولا لألوفِ الصحابة الذين ليسوا من قريش أن يتصدوا للخلافة.

وليس هذا مجّرد إدّعاء ! حاشا وكلاً، بل هي عقيدتهم التي سجّلها التاريخ والمحدّثون من أفواههم فلنعُد الى نفس الخطبة التي أخرحها البخاري ومسلم في صحيحيهما:

يقول عمر بن الخطاب: أردتُ أن أتكلّمَ وكنتُ زوّرتُ مقالة أعجبتني أُريدُ أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنتُ أداري منه بعض الحدّ فلّما أردتُ أن أتكلّم قال أبو بكر: على رسْلك فكرهتُ أنْ أُغضبهُ فتكلمّ أبو بكر فكان هو أحلم منّي وأوقر


93

والله ماترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضلَ حتّى سكتَ فقال ماذكرتُم فيكم من خير فأنتم له أهل (مخاطباً الأنصار) ولنْ يُعرف هذ الأمرُ إلاّ لهذا الحي منْ قريش(1) .

إذا، يتبينّ لنا بوضوح بأنّ أبا بكر وعمر لايؤمنان بمبدأ الشورى والإختيار ويقول بعض المؤرخين بأنّ أبا بكر إحتجّ على الأنصار بحديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم:.

«الخلافة في قريش» وهو حديث صحيح لا شك فيه وحقيقته (كما نصّ على ذلك البخاري ومسلم وكل الصحاح عند السنّة وعند الشيعة) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «الخلفاء من بعدي إثنا عشر كلهم من قريش».

. وأصرح من هذا الحديث قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(لاَيزال هذا الأمر في قريش مابقيَ منَ الناسِ إثنان»(2) وقوله «الناس تبعٌ لقريش في الخير والشّر»(3) .

فإذا كان المسلمون قاطبة يؤمنون بهذه الأحاديث فكيف يقول قائل بأنه ترك الأمر شورىبين المسلمين ليختاروا من يشاؤون ؟

ولا يمكن لنا أن نتخلّص من هذا التناقض إلا إذا أخذنا باقوال أئمة أهل البيت وشيعتهم وبعض علماء السنّة الذين يؤكّدون بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد نصّ على الخلفاء وعيّنهم بعددهم وأسمائهم،وبذلك يمكن لنا أيضاً أن نفهم موقف عُمر وحصره الخلافة في قريش وعُمر مَنْ عُرفَ بإجتهاده مقابل النصوص حتى في حياة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فصلح الحديبيه(4) ،

(1)صحيح مسلم باب الوصيه.

(2، 3) صحيح مسلم 6 /2 و3 صحيح البخاري 8 /27

(4) صحيح البخاري 2 /81 صحيح مسلم باب صلح الحديبية


94

والصلاة على المنافقين(1) ، ورزية يوم الخميس(2) ، ومنعه التبشير بالجنّه(3) أكبر شاهد على ما نقول. فلا يُستغْربُ منه أن يجتهد بعد موت النبي في نص حديث الخلافة فلا يري وجوباً بقبول النصّ على علي بن أبي طالب الذي هو أصغر قريش، وحصر حق الإستخلاف بقريش وحدها، وهو الذي حدا بعمر أن يختار قبل موته ستّة من عظماء قريش ليوفّق بين أحاديث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وما يرتأيه هو من حق قريش وحدها في الخلافة، ولعلّ إقحام علي في الجماعه مع العلم المسبق بأنهم لا يختارونه، هو تدبير من عمر ليُجبرً علياّ على الدخول معهم في اللُّعبة السياسية كما يسمّونها اليوم وحتّى لا تبقى له حجّة عند شيعته ومحبّيه الذين يقولون بأولويّته، ولكن الإمام علياً تحدّث عن كل ذلك في خطبه أمام عامّه الناس فقال في ذلك:

«فصبرتُ على طول المدّه وشدّه المحنه، حتّى أذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيالله وللشورى، متى أعترض الريبُ فيَّ مع الأولمنهم حتّى صرت أقرنً الى هذه النظائر، لكنّي أسففت إذ أسفّوا وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هنٍ وهنٍ …» الخطبة(4) .

رابعا ـ أن الإمام علي سلام الله عليه إحتجّ عليهم بكل شيء ولكن بدون جدوى، وهل يستجدي الإمام علي بيعة النّاس الذي صرفوا وجوههم عنه ومالت قلوبهم لغيره إمّا حسداً له على ما أتاه الله من فضله، وإمّا حِقداً عليه لأنّه قتل صناديدهم وهشّم أبطالهم، وأرغم أنوفهم، وأخضعهم وحطّم كبرياءهم بسيفه وشجاعته حتّى أسلموا وإستسلموا وهو مع ذلك شامخٌ يذود عن إبن عمّه لا

(1) صحيح البخاري 2 / 76.

(2) صحيح البخاري 1 /37.

(3) صحيح البخاري ج 1 باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنّة في صفحة 45

(4) نهج البلاغة شرح محمد عبده 1 /87.


95

تأخذه في الله لومة لائم، ولا يثني عزمه من حطام الدنيا شيء ـ وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلمُ ذلك علم اليقين وكان في كل مناسبة يُشيد فضائل أخيه وإبن عمّه لكي يحبّبه اليهم فيقول: حب علي إيمان وبغضه نفاق(1) ـ ويقول علي منّي وأنا من علي(2) ويقول علي ولي كل مؤمن بعدي(3) ـويقول علي باب مدينة علمي وأبو ولدي(4) ويقول: علي سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجّلين(5) .

ولكن مع الأسف مازادهم ذلك إلاّ حسداً وحقداً وبذلك إستدعاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل موته فعانقه وبكى، وقال له: ياعلي: إني أعلم إن لك ضغائن في صدور قوم سوف يظهرونها لك بعدي. فإن بايعوك فاقبل وإلاّ فاصبر حتّى تلقاني مظلوماً(6) فإذا كان أبو الحسن سلام الله عليه لزم الصبر بعد بيعة أبي بكر فذلك بوصية الرسول له وفي ذلك من الحكمة ما لا يخفى.

خامساً ـ أضف إلى كل ماسبق إن المسلم إذا ماقرأ القرآن الكريم وتدبّر آياته يعرف من خلال قصصه التي تناولت الأمم والشعوب السابقة إنّه وقع فيهم أكثر مما وقع فينا، فها هو قابيل يقتل أخاه هابيل ظلماً وعدواناً وها هو نوح جد الأنبياء بعد ألف سنة من الجهاد لم يتبعه من قومه إلاّ القليل وكانت أمرأته وإبنه من الكافرين، وها هو لوط لم يوجد في قريته غير بيت من المؤمنين، وها هم الفراعنة الذين إستكبروا في الأرض وأسعبدوا النّاس لم يكن فيهم غير مؤمن يكتم إيمانه،

(1) صحيح مسلم 1 /61.

(2) صحيح البخاري 3 /168.

(3) مسند احمد 5 /25 ومستدرك الحاكم 3 /124.

(4) المستدرك للحاكم 3 /126.

(5) منتخب كنز العمال 5 /34.

(6) الرياض النضره في مناقب العشرة للطبري باب فضائل علي بن أبي طالب


96

وهاهم إخوة يوسف أبناء يعقوبوهم عصبة يتآمرون على قتل أخيهم الصغير بغير ذنب إقترفه ولكن حسداً له لأنّه أحبّ الى أبيهم، وها هم بنوا إسرائيل الذين أنقذهم الله بموسى وفلق لهم البحر وأغرق أعداءهم فرعونَ وجنوده بدون أن يكلّفهم عناء الحرب ما إن خرجوا من البحر ولم تجفّ اقدامهم فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: ياموسى إجعل لنا إلهاً كما لهم آله قال إنكم قوم تجهلون.

ولمّا ذهب الى ميقات ربّه وإستخلف عليهم أخاه هارون تآمروا عليه وكادوا يقتلونه ـ وكفروا بالله وعبدو العجل ـ ثم بعد قتلوا أنبياء الله قال تعالى ـ أفكلّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم إستكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون (1) .

وها هو سيدنا يحيى بن زكريا وهو نبي وحصور ومن الصالحين يقتلُ ويهدى رأسه الى بغي من بغايا بني اسرائيل.

وها هم اليهود والنصارى يتآمرون على قتل وصلب سيدنا عيسى، وهاهي أمة محمد تعد جيشاً قُوامه ثلاثين الفاً لقتل الحسين ريحانة رسول الله وسيد شباب أهل الجنة ولم يكن معه غير سبعين من أصحابه فقتلوهم جميعاً بما في ذلك أطفاله الرضّع.

فأي غرابة بعد هذا ؟ أي غرابة بعد قول الرسول لأصحابه:

«ستتبعون سُنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، قالوا: أتراهم اليهود والنصارى ؟ قال: فمن أذن ؟؟»(2) .

أي غرابة ونحن نقرأ في البخاري ومسلم قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(1) سورة البقرة آية 87

(2) صحيح البخاري 4 /144 و 8 /151.


97

«يؤتى باصحابي يوم القيامة الى ذات الشمال فاقول الى أين ؟ فيقال الى النار والله، فاقول يارب هؤلاء أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فاقول: سُحقاً لمن بدّل بعدي ولا آراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النّعم»(1) .

أي غرابه بعد قوله صلّى الله عليه واله وسلّم:

«ستفترق أمّتي الى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة»(2) .

وصدق العلي العظيم ربّ العزّة والجلالة العليم بذات الصدور اذ يقول:

وما أكثر الناس ولو حرصتَ بمؤمنين سورة يوسف آية 103.

بل جاءهم بالحقّ وأكثرهم للحقّ كارهون سورة المؤمنون آية 70.

لقد جئناكم بالحقّ ولكن أكثركم للحقّ كارهون سورة الزخرف آية 78

ألا إنّ وعد الله حقّ ولكن أكثرهم لا يعلمون سورة يونس آية 55.

يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون سورة التوبة آية 8.

إنّ الله لذو فضل على النّاس ولكنّ أكثرهم لا يشكرون سورة يونس آية 60.

يعرفون نعمة الله ثم ينكرونَا وأكثرهم الكافرون سورة النحل آية 83.

ولقد صرفناه بينهم ليذكّروا فأبى أكثر الناس إلاّ كفوراً الفرقان آية 50.

(1)صحيح البخاري 7 /209 وصحيح مسلم في باب الحوض.

(2) سنن إبن ماجة كتاب الفتن ج 2 رقم الحديث 3993.

مسند احمد 3 /120 سنن الترمذي في كتاب الإيمان.


98

وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون سورة يوسف آيه 106.

بل أكثرهم لا يعلمون الحقّ فهم معرضون سورة الأنبياء آية 24.

أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكُون ولاَ تبْكونَ وأنتُم سامدون … النجم آيه 61.


99

حسرة وأسى

كيف لا أتحسّر ؟ بل كيف لا يتحسّر كل مسلم عند قراءة مثل هذه الحقائق ـ على ماخسره المسلمون بإقصاء الإمام علي عن الخلافة التي نصّبه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها، وحرمان الأمّة من قيادته الحكيمة. وعلومه الكثيرة.

وإذا مانظر المسلم بغير تعصّب ولا عاطفة، لوجده أعلم الناس بعد الرسول، فالتاريخ يشهد أن علماء الصحابة إستفتوه في كل ما أشكل عليهم وقول عمر بن الخطاب أكثر من سبعين مرّة «لولا علي لعلك عمر»(1) في حين إنّه (عليه السلام) لم يسأل أحداً منهم أبداً.

كما أنّ التاريخ يعترف بأنّ علي بن أبي طالب أشجع الصحابة واقواهم، وقد فرّ الشجعان من الصحابة في مواقف عديدة من الزّحف في حين ثبتَ هو (عليه السلام) في المواقف كلّها، ويكفيه دليلاً الوسام الذي وسّمه به رسول الله

(1) مناقب الخوارزمي ص 48 ـ الإستيعاب 3 /39 تذكرة السبط 87 مطالب السؤول ص 13 تفسير النيسابوري في سورة الأقحاف فيض القدير 4 /357.


100

صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما قال:

«لأعطين غداً رايتي الى رجل يحبّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسولُه كرَّارٌ ليس فرّاراً إمتحن الله قلبه للإيمان»(1) .

فتطاول اليها الصحابة فدفعها الى علي بن أبي طالب.

وبإختصار فان موضوع العلم والقوة والشجاعة التي يَختصّ بها الإمام علي ـ موضوع معروف لدى الخاص والعام ولا يختلف فيه إثنان ـ وبقطع النظر عن النصوص الدالة علىإمامته بالتصريح والتلميح فإن القرآن الكريم لا يعترف بالقيادة والإمامةإلاّ للعالِم الشجاع القوي قال الله سبحانه وتعالى في وجوب إتّباع العلماء.

أفمن يهدي الى الحقّ أحقْ أن يتّبع أمّن لا يهدي إّلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون (2) .

وقال تعالى في وجوب قيادة العالم الشجاع ألقوي قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحنُ أحقُّ بالملك منه ولم يؤتَ سعةًِ0 من المال، قال: أنّ الله إصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، واللهيؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (3) .

ولقد زاد الله سبحانه ألإمام علي بالنسبة الى كل الصحابة زاده بسطة في العلم فكان بحق«باب مدينة العلم» وكان هو المرجع الوحيد للصحابة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم وكان الصحابه كلّما عجزوا عن حلّ يقولون «معضلة وليس لها إّلا أبو الحسن»(4) .

(1) صحيح البخاري 4 /5 و ص12 /5 /76 و 77.

صحيح مسلم 7 / 121 باب فضائل علي بن أبي طالب.

(2) سورة يونس آية 35.

(3) سورة البقرة آية 247

(4)مناقب الخوارزمي ص 58 تذكرة السبط 87إبن المغازلي ترجمة علي ص 79.


101

وزاده بسطة في الجسم فكان بحق أسد الله الغالب وأصبحت قوّته وشجاعته مضرب الأمثال عبر الأجيال حتّى روى المؤرخون فيها قصصاً تقارب المعجزات كإقتلاع باب خيبر وقد عجز عن تحريكه فيما بعد عشرون صحابياً(1) وإقتلاع الصنم الأكبر هبل(2) من فوق سطح الكعبة، وتحويل الصخرة العظيمة التي عجز الجيش كله عن تحريكها(3) وغير ذلك من الروايات المشهورة.

وقد أشاد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بإبن عمّه علي وأبان فضله وفضائله في كل مناسبة وعرف بخصائصه ومزاياه فمرة يقول:

«إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له واطيعوا»(4) . ومرّة يقول له:

«أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إّلا إنه لا نَبيٌ بعدي»(5) .

وأخرى يقول:

«من أراد أن يحيا حياتي، ويموت موتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتولّ علي بن أبي طالب فإنّه لم يخرجكم من هدى ولم يدخلكم في ظلالة»(6) .

والمتتّبع لسيرة الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم يجده لم يكتف بالأقوال والأحاديث فيه فحسب بل أن أقواله تجسدت في أعماله فلم يأمَّر في حياته على علي أحداً من الصحابة بالرغم من تأميرهم على بعضهم البعض فقد أمرّ على

(1، 2، 3) شرح النهج لإبن أبي الحديد في المقدمة.

(4) تاريخ الطبري 2 /319 تاريخ إبن الأثير 2 /62.

(5) صحيح مسلم 7 /120 صحيح البخاري في فضائل علي.

(6) مستدرك الحاكم 3 /128 والطبراني في الكبير.


102

أبي بكر وعمر في غزوة ذات السلاسل عمرو بن العاص(1) .

كما أمّر عليهم جميعاً شاباً صغيراً أسامة بن زيد وذلك في سرية أسامة قبل موته صلّى الله عليه واله وسلّم.

أمّا علي بن أبي طالب فلم يكن في بعث إلا وهو الأمير حتّى إنه صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث في مرّة بعثين وأمّر علياً على بعثٍ وخالد بن الوليد على بعثٍ وقال له: إذا إفترقتُم فكل واحد على جيشه وإذا التقيتُم فعليٌ على الجيش كلّه.

ونستنتجُ من كلّ ماتقدّم بأنّ عليَّاً هو وليّ المؤمنين بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولا ينبغي لأحدٍ أن يتقدّم عليه.

ولكن مع الأسف الشديد فقد خسر المسلمون خسارة فادحة، وهم يعانون حتّى اليوم ويجنون ثمار ماغرسوه، وقد عرف التالون غبَّ ما أسّسه الأولون.

وهل يمكن لأحد أن يتصوُر خلافة راشدة كخلافة علي بن أبي طالب لو إتبعتْ هذه الأمة ما إختاره الله ورسوله فعليٌ كان بإمكانه ان يقود الأمة طول ثلاثين عاماً على نسق واحد كما قادها رسول الله صلى اله عليه واله وسلم وبدون أي تغيير، ذلك بأن أبا بكر وعمرا غيّرا وإجتهدا بأدائهما مقابل النصوص وأصبح فعلهما سنّة متّبعة، ولّما جاء عثمان للخلافة غيرَ أكثر حتى قيل إنه خالف كتاب الله وسنّة رسوله وسنّة أبي بكر وعمر وأنكر عليه الصحابة ذلك وقامت عليه ثورة شعبية عارمة أودت بحياته وسببتْ فتنة كبرى في الأمة لم يندمل جرحها حتى الآن.

أمّا علي بن أبي طالب فكان يتقيد بكتاب الله وسنة رسوله لا يحيد عنهما قيد أنملةٍ وأكبر شاهد على ذلك إنّه رفض الخلافة عندما إشترطوا عليه أن يحكمْ مع كتاب الله وسنة رسوله، سنة الخليفتين.

(1) السيرة الحلبية غزوة ذات السلاسل وطبقات إبن سعد وكل من ذكر غزوة ذات السلاسل.


103

ولسائل أن يسأل: لماذا يتقيد علي بكتاب الله وسنة رسوله بينما إضطر أبو بكر وعمر وعثمان للإجتهاد والتّغير ؟

والجواب هو إنّ علياً عنده من العلم ماليس عندهم وإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خصّه بألف باب من العلم يفتح لكل باب ألف باب(1) وقال له:

«أنتَ ياعلي تبينّ لأمّتي ما إختلفوا فيه بعدي»(2) .

أمّا الخلفاء فكانوا لا يعلمون كثيراً من أحكام القرآن الظاهريه فضلاً عن تأويله فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب التيمّم بأن رجلاً سأل عمر بن الخطاب أيام خلافته فقال: يا أمير المؤمنين إني أجنبتُ ولم أجد الماء فماذا أصنع ؟ قال له عمر لا تُصلّ !! وكذلك لم يعرف حكم الكلالة حتى مات وهو يقول وددتُ لو سألتُ رسول الله عن الكلالة بينما حكمها مذكور في القرآن الكريم، ولذا كان عمر الذي يقول عنه أهل السنّة والجماعة بأنه من الملهمين على هذا المستوى العلمي، فلا تسأل عن الآخرين الذين أدخلوا البدع في دين الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير سوى إجتهادات شخصية.

ولقائل أن يقول: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يُبينّ الأمام علي للإمّة ما إختلفوا فيه بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

والجواب هو: إنّ الإمام علياً لم يألُ جهداً في تبيين ما أشكل على الأمة وكان مرجح الصحابة في كل ما أشكل عليهم فكان يأتي ويوضّح وينصح فكانوا يأخذون منه مايُعجبهم وما لا يتعارض مع سياستهم ويدعون ماسوى ذلك والتاريخ أكبر شاهد على ما نقول.

(1) كنز العمال 6 /392 رقم الحديث 6006 وكذلك في حلية الأولياء ينابيع المودة ص 73 و77 تاريخ دمشق لإبن عساكر 2 /483.

(2) مستدرك الحاكم 3 /122 تاريخ دمشق لإبن عساكر 2 /488.


104

والحقيقة هي: لولا علي بن أبي طالب والأئمة من ولده لما عرف النّاس معالم دينهم، ولكنّ النّاس كما أعلمنا القرآن لا يحبّون الحقّ فاتبعوا أهواءهم وإخترعوا مذاهب في مقابل الأئمة من أهل البيت الذين كانت الحكومات تحسبُ عليهم انفاسهم ولا تترك لهم حرّية التحرّك والإتصال المباشر.

فكان علي يصعد على المنبر ويقول للناس: سلوني قبل ان تفقدونيويكفي علياً أن ترك نهج البلاغة، والأئمة من أهل البيت سلام الله عليهم تركوا من العلم ما ملأ الخافقين وشهد لهم بذلك أئمّة المسلمين سنّة وشيعة.

ـ وأعود للموضوع فأقول على هذا الأساس: لو قُدّر لعلي أن يقود الأمّة ثلاثين عاماً على سيرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لعّم الإسلام ولتغلغلت العقيدة في قلوب الناس أكثر وأعمق ولَما كانتْ فتنة صغرى ولا فتنة كبرى ولا كربلاء ولا عاشوراء، ولو تصوّرنا قيادة الأئمة ألأحد عشر بعد علي والذي نصّ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والذين إمتدتْ حياتهم عبر ثلاث قرون لما بَقِي في الأرض ديار لغير المسلمين ولا كانت الأرض اليوم على غير مانشاهده اليوم ولكانت حياتنا إنسانية بمعناها الحقيقي. ولكن قال الله تعالى:

أَ لَم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون (1) وقد فشلت الأمّة الإسلامية في الإمتحان كما فشلتْ الأممُ السّابقة كما نصّ على ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(2) في العديد من المناسبات، كما أكد عليه القرآن الكريم في العديد من الآيات(3) .

(1) سورة العنكبوت آية 2.

(2) كحديث إتباع سنّة اليهود والنصارى شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. أخرجه البخاري ومسلم وسبقت الإشارة اليه وكحديث الحوض الذي يقول فيه رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم لا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم.

(3)كقوله تعالى: ﴿ أفإن مات أو قتل إنقلبتُم على أعقابكم آل عمران: آية 144. وكقوله سبحانه وتعالى: وقال الرسول ياربّ إنّ قومي إتخذوا هذا القرآن مهجوراً.. الفرقان آية 30.


105

شواهد اخرى على ولاية علي

وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون ولاية علي هي الإختبار للمسلمين فكل إختلاف وقع فبسببها ولأنّه سبحانه لطيفٌ بعباده فلا يؤاخذ التالين بما فعل الأولون فجلّتْ حكمته وحفَّ تلك الحادثة بأحداث أخرى جليلة تشبه المعجزاتْ حتّى تكون حافزاً للإمّة فينقلها الحاضرون ويعتبر بها اللاّحقونعسى أن يهتدوا للحقّ من طريق البحث.

الشاهد الأول: يتعلّق بعقوبة من كذّب بولاية علي وذلك إنه بعد شيوع خبر غدير خم وتنصيب الإمام علي خليفة على المسلمين، وقول الرسول لهم: فليبلغ الشاهد الغائب.

وصل الخبر الى الحارث بن النعمان الفهري ولم يُعجبْهُ ذلك(1) فأقبل على رسول الله، وأناخ راحلته امام باب المسجد ودخل على النبي صلّى الله عليه وآله

(1) يدلّنا على أن هناك من الأعراب الذين يسكنون خارج المدينة يبغضوا علي بن أبي طالب ولا يحبّوه، كما إنهم لايحبّون محمّد ولذا ترى هذا الجلف يدخل على النبي فلا يسلم ويناديه يامحمد: وصدق الله أن يقول: الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله .


106

وسلّم فقال: يامحمّد إنك أمرتنا أن نشهد أن لا اله إلاّ الله وإنك رسول الله فقبلنا منك ذلك، وأمرتنا أن نصلّي خمس صلوات في اليوم والليلة ونصوم رمضان، ونحجّ البيت، ونزكّي أموالنا فقبلنا منك ذلك، ثم لم ترض بهذا حتّى رفعتَ بضبعي إبن عمّك وفضّلته على النّاس وقُلتَ «من كنتُ مولاه فعلي مولاه» فهذا شيء منك أو من الله ؟

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد أحمرّتْ عيناه: والله الذي لا إله إلاّ هو إنّه من الله وليس منّي قالها ثلاثاً.

فقام الحارث وهو يقول:

«اللّهم إن كان مايقول محمد حقَّاً فإرسل علينا حجارة من السّماء أو آئتنا بعذاب أليم»

قال: فوالله مابلغ ناقته حتّى رماه الله من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره ومات، وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذابٍ واقع للكافرين ليس له دافعٌ .

وهذه الحادثة نقلها جمع غفير من علماء أهل السنّة غير الذين ذكرناهم(1) فمن أراد مزيداً من المصادر فعليه بكتاب الغدير للعلامة الأميني.

(1) شواهد التنزيل للحسكاني 2 /286.

تفسير الثعلبي في سورة سئل سائل بعذاب واقع.

تفسير القرطبي 18 /278.

تفسير المنار رشيد رضا 6 /464.

ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ص328.

الحاكم في ما إستدركه على الصحيحين 2 /502.

السيرة الحلبية 3 /275.

تذكرة الخواص بن الجوزي ص 37.


107

الشاهد الثاني: يتعلّق بعقوبة من كَتم الشهادة بحادثة الغدير وإصابته دعوة الإمام علي.

وذلك عندما قام الإمام علي أيام خلافته، في يوم مشهود إذ جمع النّاس في الرحبة ونادى من فوق المنبر قائلاً:

«أنشد الله كل إمرىء مسلم سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول يوم غدير خم «من كنتُ مولاه فعلي مولاه» ألاّ قام فشهد بما سمع، ولا يقم إلاّ من رآه بعينيه وسمعه بأذنيه».

فقام ثلاثون صحابياً منهم ستة عشر بدْريَّا، فشهدوا إنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أخذ بيده، فقال للناس:

«أتعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: من كنتُ مولاه فهدا مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه …» الحديث.

ولكنّ بعض الصّحابة ممّن حضروا واقعة الغدير أقعدهم الحسدُ أو البُغْض للإمام، فلم يقوموا للشهادة ومن هؤلاء أنس بن مالك، حيث نزل اليه الإمام علي من المنبر وقال له: مالك يا أنس لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سَمعتَهُ منه يومئذ كما شهدوا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كبُرتْ سنّي ونسيتُ، فقال الإمام علي: إن كنتَ كاذباً فضربك الله ببيضاء لاتوَاريها العمامة، فما قام حتّى إبيضّ وجهه برصاً، فكان بعد ذلك يبكي ويقول: أصابتني دعوة العبد الصالح لأنّي كتمتُ شهادته.

وهذه القصّة مشهورة ذكرها إبن قتيبة في كتاب المعارف(1) حيث عدّ أنساً من أصحاب العاهات في باب البرص وكذلك الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(2) .

(1) كتاب المعارف لإبن قتيبة الدينوري ص 251.

(2) مسند الإمام احمد بن حنبل 1 /119.


108

حيث قال: فقاموا إلا ثلاثة لم يقوموا فأصابتهم دعوته.

وتجدر الإشاره هنا بأن نذكر هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الإمام أحمد برواية البلاذري(1) قال بعدها أورد مناشدة الأمام علي للشهادة، وكان تحت المنبر أنس بن مالك والبراء بن عازب، وجوير بن عبدالله البجلي، فأعادها فلم يجبه منهم أحد فقال: اللّهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتّى تجعل به آية يُعرف بها. قال: فبرصَ أنس بن مالك، وعَميَ البراء بن عازب، ورجع جرير أعرابياً بعد هجرته فأتى الشراة فمات في بيت إمّه.

وهذه القصّة مشهورة تناقلها جمع كبير من المؤرخين(2) .

فأعتبروا يا أولي الألباب والمتتّبع يعرف من خلال هده الحادثة(3) التي أحياها الإمام علي بعد مرور ربع قرن عليها وبعدما كادتْ تُنسىَ يعرف ماهي قيمة الإمام علي وعظمته ومدى علّو همّته وصفاء نفسه، وهو في حين أعطى للصّبر أكثر من حقّه، ونصح لأبي بكر وعمر وعثمان ما علم إن في نُصحهم مصلحة الإسلام والمسلمين، كان مع ذلك يحمِلُ في جنباته حادثة الغدير بكلّ معانيها وهي حاضرة في ضميره في كل لحظات حياته فما أن وجد فرصة سانحة لبعثها وإحيائها من جديد حتّى حمل غيره

(1) أنساب الأشراف للبلاذري في جزئه الأول و 2 /152

(2)تاريخ إبن عساكر المسمّى بتاريخ دمشق 2 /7 و3 /150.

ـ شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد تحقيق محمد أبو الفضل19/217.

ـ عبقات الأنوار 2 /309

ـ مناقب علي بن أبي طالب لإبن المغازلي ص 23.

ـ السيرة الحلبية 3 /337.

(3)وهو مناشدة الإمام علي يوم الرحبة الصحابة ليشهدوا بحديث الغدير وقد روي هذه الحادثة جمع غفير من المحدّثين والمؤرخين سبق الإشارة اليهم أمثال: أحمد بن حنبل وإبن عساكر. وإبن أبي الحديد وغيرهم.


109

للشّهادة بها على مسمع ومرأى من النّاس.

وإنظر كيف كانت طريقة إحياء هذه الذكرى المباركة وما فيها من الحكمة البالغة لإقامة الحجة على المسلمين من حَضر منهم الواقعة ومن لم يحضر، فلو قال الإمام: أيها الناس لقد أوصى بي رسول الله في غدير خم على الخلافةلما كان لذلك وقعاً في نفوس الحاضرين ولأحتجوا عليه عن سكوته طوال تلك المدّة.

ولكنّه لما قال: أنشدُ الله كل إمريء مسلم سمع رسول الله يقول ماقال يوم غدير خم، ألاّ قام فشهد، فكانت الحادثة منقولة بحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على لسان ثلاثين صحابياً منهم ستّة عشر بدريّاً وبذلك قطع الإمام الطريق على المكذّبين والمشكّكين وعلى المحتجّين عن سكوته طوال تلك المدّة لأنّ في سكوت هؤلاء الثلاثين معه وهو من عظماء الصحابة لدليل كبير على خطورة الموقف وعلى أنّ السكوت فيه مصلحة الإسلام كما لا يخفى.


110


111

تعليق على الشورى

رأينا فيما سبق بأنّ الخلافة على قول الشيعة هي بإختيار الله سبحانه وتعيين رسول الله صلّى الله عليه وآله سلّم بعد وحي يوحى به إليه.

وهذا القول يتماشى تماماً مع فلسفة الإسلام في كلّ أحكامه وتشريعاته إذ أنّ الله سبحاته هو الذي يخلق مايشاء ويختار؛ ماكان لهم الخيرة (1) .

وبما أن الله سبحانه أراد أنّ تكون أمّة محمد خير أمّة أُخرجت للنّاس، ولا بدّ لها من قيادة حكيمة، رشيدة، عالمة، قويّة، شجاعة، تقية، زاهدة، في أعلى درجات الإيمان، وهذا لا يتأتّي إلاّ لمن إصطفاه الله سبحانه وتعالى، وكيّفه بميزات خاصّة تؤهله للقيادة والزعامة: قال الله تعالى: الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن النّاس إنّ الله سميع بصير (2) .

وكما أن الأنبياء إصطفاهم الله سبحانه فكذلك الأوصياء. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

(1) سورة القصص آية 68.

(2)سورة الحج آية 75.


112

«لكل نبي وصي، وأنا وصيّي علي بن أبي طالب»(1) .

وفي حديث آخر قال صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«أنا خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء»(2) .

وعلى هذا الأساس فإن الشيعة سلّموا أمرهم لله ورسوله، ولم يبق منهم من يدّعِ الخلافة لنفسه أو يطمع فيها، لا بالنصّ ولا بالأختيار، اولاً لأن النصّ ينفي الأختيار والشورى وثانياً لأن النصّ قد وقع من رسول الله صلّىالله عليه وآله وسلّم على أشخاص معدودين ومعيّنين(3) بأسمائهم، فلا يتطاول إليها منهم متطاول وإن فعل فهو فاسقٌ خارج عن الدّين.

أمّا الخلافة عند أهل السنّة والجماعة فهي بالأختيار والشورى وبذلك فتحوا الباب الذي لا يمكن غلقه على أي واحد من الأمّة وأطمعوا فيها كل قاص ودان، وكل غثٍ وسمين، وحتّى تحوّلت من قريش الى الموالي والعبيد وإلى الفرس والمماليك والى الأتراك والمغول.

وتبخّرتْ تلك القيم والشروط التي إشترطوها في الخليفة لأنّ غير المعصوم بشر مليء بالعاطفة والغرائز، وبمجّرد وصوله الى الحكم لا يؤمن أن ينقلب ويكون أسوأ ممّا كان والتاريخ الإسلامي خير شاهد على مانقول.

وأخشى أن يتصور بعض القرّاء بأنّني أبالغ، فما عليهم إلاّ ان يتصفّحوا تاريخ الأمويين والعباسيين وغيرهم حتّى يعرفوا بأن من تَسَمّى أمير المؤمنين كان يتجاهر بشرب الخمر ويلاعب القرود ويلبسهم الذهب وأن «أمير المؤمنين» يُلبس جاريتهُ لباسَه لتصلّي بالمسلمين، وإنّ «أمير المؤمنين تموت جاريته حبّابَة فيسلبُ

(1) تاريخ إبن عساكر الشافعي 3 /5 مناقب الخوارزمي ص 42 ينابيع المودة ص 79.

(2)ينابيع المودّة 2 /3 نقلاً عن الديلميـ المناقب للخوارزمي ـ ذخائر العقبى.

(3) روى العدد البخاري ومسلم وروى العدد والأسماء صاحب ينابيع المودّة 3 /99.


113

عقلهُ وإن «أمير المؤمنين» يطربُ لشاعر فيقبّل ذكرّه. ولماذا نستغرق في هؤلاء الذين حكموا المسلمين بأنهم لا يمثلون إلاّ الملك العضوض ولا يمثلون الخلافة وذلك للحديث الذي يروونه وهو قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم

«الخلافة من بعدي ثلاثون عاماً ثم تكون ملكاً عضوضاً».

وليس هذا موضوع بحثنا فمن أراد الإطلاع على ذلك فعليه مراجعة تاريخ الطبري وتاريخ إبن الأثير وأبي الفداء وإبن قتيبة وغيرهم.

وإنّما أردتُ بيان مساوىء الإختيار وعقم النظرية من أساسها لأنّ من نختاره اليوم قد ننقم عليه غداً ويتبيّن لنا بأنّنا أخطأنا ولم نُحسن الإختيار ـ كما وقع ذلك لعبدالرحمن بن عوف نفسه عندما إختبار للخلافة عثمان بن عفّان وندم بعد ذلك، ولكن ندمه لم يُفد الأمة شيئاً بعد توريطها، وإذا كان صحابي جليل من الرّعيل الأول وهو عثمان لايفي بالعهد الذي أعطاه لعبدالرحمن بن عوف، وإذا كان صحابي جليل من الرّعيل الأول وهو عبدالرحمن بن عوف لا يُحسن الإختيار، فلا يمكنُ لعاقل بعد ذلك أن يرتاح لهذه النظرية العقيمة والتي ماتولّد عنها إلاّ الإضطراب وعدم الأستقرار وإرقة الدّماء، فإذا كانت بيعة أبي بكر فلتةً كما وصفها عمر بن الخطاب وقد وقى الله المسلمين شرّها، وقد خالف وتخلّف عنها جمع غفير من الصحابة، وإذا كانت بيعة علي بن أبي طالب بعد ذلك على رؤوس الملأ ولكنّ بعض الصحابة نكث البيعة، وإنجّر عن ذلك حرب الجمل، وحرب صفين، وحرب النهروان، وزهقت فيها أرواح بريئة، فكيف يرتاح العُقلاء بعد ذلك لهذه القاعدة التي جُرّبتْ وفشلتْ فشلاً ذريعاً من بدايتها وكانتْ وبالاً على المسلمين. وبالخصوص إذا عرفنا أنّ هؤلاء الذين يقولون بالشورى يختارون الخليفة ولا يقدرون بعد على ذلك تبديله أو عزله، وقد حاول المسلمين جهدهم عزل عثمان فأبى قائلاً: لا أنزع قميصا قمّصنيه الله.

ومّما يزيدنا نفوراً من هذه النظرية، ما نراه اليوم في دول الغرب المتحضّرة والتي تزعم الديمقراطية في إختيار رئيس الدولة، وترى الأحزاب المتعدّدة وتتصارع وتتساوم وتتسابق للوصول الى منصّة الحكم بأي ثمن، وتصرف من أجل ذلك


114

البلايين من الأموال التي تخصّص للدّعاية بكلّ وسائلها وتُهدر طاقات كبيرة على حساب المستضعفين من الشعب المسكين الذي قد يكون في أشد الحاجة إليها، وما أن يصل أحدُهم الى الرئاسة حتى تاخذه العاطفة فُيولّي أنصاره وأعضاء حزبه واصدقاءه وأقاربه في مناصب الوزراء والمسؤوليات العظمى والمراكز المهمّة في الإدارة ويبقى الآخرون يعملون في المعارضة مدّة رئاسته المتفق عليها أيضاً فيخلقون له المشاكل والعراقيل ويحاولون جهدهم فضحهُ والإطاحة به، وفي كل ذلك خسارة فادحة للشعب المغلوب على أمره، فكم من قيم انسانية سقطتْ، وكم من رذائل شيطانيه رُفِعتْ بإسم الحرية والديمقراطية وتحت شعارات برّاقة، فأصبح اللواط قانوناً مشروعاً والزنا بدلا من الزواج تقدّماً ورُقياً وحدّث في ذلك ولا حرج.

فما أعظم عقيدة الشيعة في القول بأن الخلافة أصل من أصول الدّين وما أعظم قولهم بأن هذا المنصب هو بإختيار الله سبحانه، فهو قولٌ سديدٌ ورأيٌ رشيد يقبله العقل ويرتاح إليه الضمير، وتأيده النصوص من القرآن والسنّةويُرغم أنوف الجبابرة والمتسلّطين، والملوك والسلاطين، ويفيض على المجتمع السكينة والإستقرار.


115

الإختلاف في الثقلين

عرفنا فيما سبق ومن خلال الأبحاث المتقدمة رأي الشيعة وأهل السنّة في الخلافة وما فعله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم إتجاه الأمّة على قول الفريقين.

فهل ترك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمّته شيئاً ؟ تعتمد عليه وترجع اليه فيما قد يقع فيه الخلاف الذي لابدّ منه والذي سجّله كتاب الله بقوله تعالى: ﴿

ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرّسول إن كنتُم تُؤمنُون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً (1) .

نعم، لا بدّ للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يترك للأمة قاعدة ترتكز عليها، فهو إنّما بُعث رحمة للعالمين، وهو حريصٌ على أن تكون أمّته خير الأمم ولا تختلف بعدهولهذا روى عنه أصحابه والمحدّثون بأنه قال:

«تركتُ فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما، لن تضلو بعدي أبداّ، كتاب

(1) سورة النساء آية 59.


116

الله وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(1) .

وهذا الحديث ثابت أخرجه المحدثون من الفريقين السنّة والشيعة. ورووه في مسانيدهم وفي صحاحهم عن طريق مايزيد على ثلاثين صحابياً.

وبما إنني وكالعادة لا أحتج بكتب الشيعة ولا باقوال علمائهم فكان لزامًا علي أن أذكر فقط علماء السنّة الذين أخرجوا حديث الثقلين معترفين بصحته حتى يكون البحث دائما موضوعيا يتصف بالعدل والإنصاف «وإن كان العدل والإنصاف يقتضي ذكر قول الشيعة أيضاً».

وهذه قائمة وجيزة عن رواة هذا الحديث من علماء السنّة:

1 ـ صحيح مسلم كتاب فضائل علي بن أبي طالب 7 /122

2 ـ صحيح الترمذي 5 /328.

3 ـ الإمام النسائي في خصائصه ص 21.

4 ـ الإمام احمد بن حنبل 3 /17.

5 ـ مستدرك الحاكم 3 /109.

6 ـ كنز العمال 1 /154.

7 ـ الطبقات الكبرى لإبن سعد 2 /194.

8 ـ جامع الأصول لإبن الأثير 1 /187.

9 ـ الجامع الصغير للسيوطي 1 /353.

10 ـ مجمع الزوائد للهيثمي 9 /163.

11 ـ الفتح الكبير للنبهاني 1 /451.

12 ـ أسد الغابة في معرفة الصحابة لإبن الأثير 2 /12.

13 ـ تاريخ إبن عساكر 5 /436

(1) مستدرك الحاكم 3 /148.


117

14 ـ تفسير إبن كثير 4 /113.

15 ـ التاج الجامع للأصول 3 /308.

أضف الى هؤلاء إبن حجر الذي ذكره في كتابه الصواعق المحرقة معترفا بصحته ـ والذهبي في تلخيصه معترفا بصحته على شرط الشيخين ـ والخوارزمي الحنفي ـ وإبن المغازلي الشافعي والطبراني في معجمه، وكذلك صاحب السيرة النبوية في هامش السيرة الحلبية صاحب ينابيع المودة وغيرهم

فهل يجوز بعد هذا أن يدعي أحد أن حديث الثقلين «كتاب الله وعترتي» لا يعرفه أهل السنّة وإنما هو من موضوعات الشيعة ؟؟قاتل الله التعصبوالجمود الفكري والحمية الجاهلية.

إذن، فحديث الثقلين الذي أوصى فيه صلّى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بكتاب الله وعترته الطاهرة، هو حديث صحيح عند أهل السنة كما مر علينا وعند الشيعة هو أكثر تواتراً وسندا عن الأئمة الطاهرين.

فلماذا يشكك البعض في هذا الحديث ويحولون جهدهم أن يبدلوه«بكتاب الله وسنتي» ورغم أن صاحب كتاب «مفتاح كنوز السنّة» يخرج في صفحة 478 بعنوان «وصيته [ص] بكتاب الله وسنة رسوله» نقلا عن البخاري ومسلم والترمذي وإبن ماجة غير أنك إذا بحثت في هذه الكتب الأربعة المذكورة فسوف لن تجد اشارة من قريب أو من بعيد الى هذا الحد ـ نعم قد تجد في البخاري «كتاب الإعتصام في الكتاب والسنة»(1) ولكنك لاتجد لهذا الحديث وجوداً.

وغاية مايوجد في صحيح البخاري وفي الكتب المذكورة حديث يقول: «حدثنا طلحة بن مصرف قال: سألت عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنهماهل كان النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم أوصى ؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على

(1) صحيح البخاري 8 /137.


118

النّاس الوصية او أمُروا بالوصيّةِ ؟ قال: أوصَى بكتاب الله»(1) .

ولا وجود لحديث لرسول الله يقول فيه «تركتُ فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي»وحتّى على فرض وجودهذا الحديث في بعض الكتب فلا عبرة به، لأن الإجماع علىخلافه كما تقدم

ثم لو بحثنا في حديث «كتاب الله وسنتي» لوجدناه لايستقيمُ مع الواقع لاَ نقلاً ولا َ عقلا، ولنا في رده بعض الوجوه.

الوجه الأول: إتفق المؤرخون والمحدّثون بأن رسول الله صلّى الله علي وآله وسلّم منع من كتابة أحاديثه، ولم يدّع أحد أنه كانيكتب السنّة النّبوية في عهده صلّى الله عليه وسلم، فقول الرّسول صلى الله عليه واله وسلم تركتُ فيكم «كتاب الله وسنّتي» لا يستقيم ـ أمّا بالنّسبة لكتاب الله فهو مكتبوب.محفوظ في صدور الرجال وبإمكان أي صحابي الرجوع الى المصحف ولو لم يكن من الحفاظ.

أمّا بالنسبة للسنّة النّبوية فليس هناك شيء مكتوب أو مجموعٌ في عهده صلّى الله عليه وآله وسلم فالسنّة النبوية كما هو معلوم ومتفق عليه، كل ماقاله الرسول أو فعله أو أقرّهُ، ومن المعلوم أيضاً أنّ الرسول لم يكن يجمع أصحابه ليعلمهم السنّة النبويةبل كان يتحدث في كل مناسبة وقد يحضر بعضهم وقد لا يكون معه إلا واحداً من أصحابه فكيف يمكن للرّسول والحال هذه، أن يقول لهم تركتُ فيكم سنتي ؟؟

الوجه الثاني: لمّا إشتدّ برسول الله وجعه وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام طلب منهم أن ياتوه بالكتف والدّواة ليكتُب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً، فقال عمر بن

(1)صحيح البخاري 3 /186.

صحيح الترمذي كتاب الوصايا.

صحيح مسلم كتاب الوصايا.

صحيح إبن ماجة كتاب الوصايا.


119

الخطاب أن رسول الله ليهجر وحسبُنا كتاب الله !(1) فلو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال لهم من قبل تركتُ فيكم «كتاب الله وسنّتي» لما جاز لعمر بن الخطاب أن يقول: حسبُنا كتاب الله ! لأنّه بذلك يكون والصحابة الذين قالوابمقالته َرادّين على رسول الله ولا أظنّ أنّ أهل السنّة والجماعة يرضون بهذا.

ولذلك فهمنا أن الحديث وضعه بعض المتأخرين الذين يعادون أهل البيت وخصوصاً بعد إقصائهم عن الخلافة وكأن الذي وضع الحديث «كتاب الله وسنّتي» إستغرب أن يكون النّاس تمسّكوا بكتاب الله وتركوا العترة وإقتدوا بغيرهم، فظنّ إنّه بإختلاق الحديث سيصححّ مسيرتهم ويُبعدُ النقد والتجريح عن الصحابة الذين خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الوجه الثالث: من المعروف إنّ أول حادثة إعترضت أبا بكر في أوائل خلافته هي قراره محاربة مانعي الزكاة، رغم معارضة عمر بن الخطاب له وإستشهاده بحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «من قال لا إله إلا الله محمّد رسول الله عصم منّي حاله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله».

فلو كانت سنّة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم معلومة ما كان أبو بكر يجهلها وهو أولى النّاس بمعرفتها.

ولكنّ عمر بعد ذلك إقتنع بتأويل أبي بكر للحديث الذي رواه وقول أبي بكر بأن الزكاة هي حق المال، ولكنهم غفلوا أو تغافلوا عن سنّة الرسول الفعلية التي لا تقبل التأويل وهي قصّة ثعلبة الذي إمتنع عن دفع الزكاة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ونزل فيه قرآن ولم يقاتله رسول الله ولا أجبره على دفعها واين

(1) صحيح البخاري باب مرض النبي ووفاته 5 /138.

صحيح مسلم كتاب الوصية 2 /16.


120

أبو بكر وعمر عن قصة أسامة بن زيد الذي بعثه رسول الله في سرية، ولّما غشيَ القوم وهزمهم لحق رجلاً منهم فلما ادركه قال: لا إله إلا الله ! فقتله أسامة، ولما بلغ النبي ذلك قال: يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟ قال: كان متعوّذاً. فما زال يكررها حتى تمنيتُ إني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم(1) .

ولكن هذا لايمكن أن نصدّق بحديث «كتاب الله وسنّتي» لأن الصحابة أوّل من جهل السنّة النبوية فكيف بمن جاء بعدهم وكيف بمن َبعُدَ مسكنه عن المدينة ؟

الوجه الرابع: من المعروف أيضاً أن كثيراً من أعمال الصحابة بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم كانت مخالفة لسنّته.

فأمّا أن يكون هؤلاء الصحابة يعرفون سنّته صلّى الله عليه وآله وسلّم وخالفوها عمداً، إجتهاداً منهم في مقابل نصُوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى: ماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً (2) .

وأمّا إنهم كانوا يجهلون سنّته صلّى الله عليه واله وسلّم فلا يحق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحال هذه أن يقول لهم تركتُ فيكم سنتي وهو يعلم أن أصحابه وأقرب النّاس اليه لم يحيطوا بها علما فكيف بمن يأتي بعدهم ولم يعرفوا ولم يشاهدوا النّبي.

الوجه الخامس: من المعلوم أيضاً إنّه لم تدوّن السنّة إلا في عهد الدّولة العبّاسية وإنّ أوّل كتاب كُتبَ في الحديث هو موطيء الإمام مالك، وذلك بعد الفتنة الكبرى، وبعد واقعة الحرّة وإستباحة المدينة المنوّرة، وقتل الصحابة فيها صبراً،

(1) صحيح البخاري 8 /36 وكتاب الديات.

وصحيح مسلم ايضا 1 /67.

(2) سورة الأحزاب آية 36.


121

فكيف يطمئنّ الإنسان بعد ذلك الى روّاة تقرّبوا للسلطان لنيل الدنيا ـ ولذلك إضطربتْ الأحاديث وتناقضت وإنقسمت الأمّة الى مذاهب، فما ثبت عند هذا المذهب لم يثبتْ عند غيرهم وما صحّحه هذا يكذّبه ذاك.

فكيف نُصدّق بأنّ رسول الله قالَ تركتُ «كتاب الله وسنّتي» وهو الذي كان يعلمُ بأنّ المنافقين والمنحرفين سوف يكذبون عليه، وقد قال:

«كثرتْ عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النّار(1) .

فإذا كانت الكذّابة قد كثرت في حياته فكيف يُكلّف أمّتهُ بإتّباع سنّته، وليس لهم معرفة بصحيحها من سقيمها وغثها من سمينها.

الوجه السادس: يروي أهل السنّة والجماعة في صحاحهم بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ترك ثقلين، أو خليفتين، أو شيئين، فمرة يروون كتاب الله وسنة رسوله، ومرّة يروون عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ومعلوم بالضروة أن الحديث التّالي يضيف الى كتاب الله وسنّة رسوله، سنة الخلفاء فتصبح مصادر التشريع ثلاثة بدلاً من إثنين وكل هذا يتنافى مع حديث الثقلين الصحيح والمتفقّ عليه من السنّة والشيعة، ألا وهو «كتاب الله وعترتي» والذي قدّمناه في ذكره أكثر من عشرين مصدراً من مصادر أهل السنّة الموثوقة فضْلاً عن مصادر الشيعة التي لم نذكرها.

الوجه السابع: اذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلَمُ علم اليقين بأن أصحابه الذين نزل القرآنُ بلغتهم ولهجاتهم «كما يقولون» ـ لم يعرفوا كثيراً من تفسيره ولا تأويله، فكيف بمن يأتي بعدهم وكيف بمن يعتنق الإسلام من الروم والفرس والحبش وكل الأعاجم الذين لا يفهمون العربية ولا يتكلّمونها. وقد ثبت في الأثر إن أبا بكر سُئِل عن قوله تعالى: وفاكهة وأبَّا


122

فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني أن اقول في كتاب الله لما لا أعْلم(1) كما أن عمر بن الخطاب أيضاً لم يعرف هذا المعنى فعن أنس بن مالك قال: أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر:

«فأنبتنا فيها حبّاً وعنباً وقضبا وزيتوناً ونخلاً وحدائق غُلباً وفاكهة وأبّا».

قال: كل هذا عرفناه فما الأب ؟ ثم قال هذا لعمر الله هو التكلّف، فما عليك أن لا تدري ما الأب، إتّبعوا مابُينّ لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه الى ربّه».(2) .

وما يُقالُ هنا في تفسير كتاب الله يقالُ هناك في تفسير السنّة النّبوية الشريفة فكم من حديث نبوي بقي موضوع خلاف بين الصّحابة وبين المذاهب وبين السنة والشيعة سواء كان الخلاف ناتجاً عن تصحيح الحديث أو تضعيفه، أم عن تفسير الحديث وفهمه، وللتوضيح أقدّم للقاريء الكريم بعض الأمثلة عن ذلك.

1 ـ الخلاف بين الصّحابة في صحة الحديث أو كذبه: هذا ماوقع لأبي بكر في أول أيامه عندما جاءته فاطمة الزهراء تطالبه بتسليم فدك التي أخذها منها بعد وفاة أبيها فكذّبها فيما إدّعته من أن أباها رسول الله أنحلها إياها في حياته كما إنها لما طالبته بميراث أبيها، قال لها بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة».

فكذّبته هي الأخرى في نسبة هذا الحديث لأبيها وعارضت بكتاب الله وإشتدّ

(1)القسطلاني في إرشاد الساري 10 /298 ـ وإبن حجر في فتح الباري 13 /230.

(2) تفسير إبن جرير 3 /38 وكنز العمال 1 /287.

الحاكم في المستدرك 2 /14 والذهبي في تلخيصه والخطيب في تاريخه 11/ 468.

الزمخشري في تفسيره الكشاف 3 /253 والخازن في تفسيره 4 /374.

إبن تيمية في مقدمة أصول التفسير ص 30 تفسير إبن كثير 4 / 473.


123

النزاع والخلاف حتّى ماتت وهي غاضبة عليه مهاجرة له لا تكلمه ـ كما ورد ذلك في صحيحي البخاري ومسلم.

كذلك إختلاف عائشة أمّ المؤمنين مع أبي هريرة في الذي يصبحُ جنباً في رمضان فكانت ترى صحة ذلك بينما يرى أبو هريرة إنما من أصبح جنباً أفطر. وإليك القصّة بالتفصيل.

أخرح الإمام مالك في الموطأ والبخاري في صحيح عن عائشه وأم سلمه زوجي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنهما قالتا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصبح جنبا من جماع غير إحتلام في رمضان ثم يصوم، وعن أبي بكر بن عبدالرحمن قال كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم فقال مروان: أقسمت عليك يا عبدالرحمن لتذهبن الى أمًّي المؤمنين عائشه وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك فدهب عبدالرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة فسلما عليها ثم قال: ياأم المؤمنين إنا كنا عند مروان بن الحكم فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم قالت عائشه: ليس كما قال أبو هريرة يا عبدالرحمن أترغب عما كان رسول الله يصنع، فقال عبدالرحمن لا والله. قالت عائشه فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه كان يصبح جنبا من جماع غير إحتلام ثم يصوم ذلك اليوم، قال ثم خرجنا على أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت مثلما قالت عائشة. قال فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم فذكر له عبدالرحمن ما قالتا، فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن الى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فالتخبرنه ذلك، فركب عبدالرحمن وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة فتحدث معه عبدالرحمن ساعة ثُمَ ذكر له ذلك فقالَ له أبو هريرة: لا علم لي بذاك إنما أخبرنيه مخبر(1) .

إنظر أخي القاريء ألى صحابي مثل أبي هريرة الذي هو عند أهل السنة

(1)صحيح البخاري 2 /232 باب الصائم يصبح جُنباً.

موطأ مالك تنوير الحوالك 1 /272 «ماجاء في الذي يصبح جُنباً في رَمضانْ».


124

رواية الإسلام كيف يفتي بأحكام دينية على الظنّ ينسبها الى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وهو لايعلمُ حتّى من أخبره بها.

قصّة أخرى لأبي هريرة يتناقضُ فيها مع نفسه روى عبدالله بن محمد حدثنا هشام بن يوسف أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي مسلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه واله وسلّم لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال إعرابيّ يارسول الله فما بالُ الإبلِ تكونُ في الرّمْلِ كأنها الضّباء فيخالطها البعير الأجربُ فيُجربها فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فمنْ أعدى الأوّلَ.

وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعدُ يقولُ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لايورِدنّ ممرضُّ على مُصِحّ، وأنكر أبو هريرة حديثه الأوّل قلنا: ألم تحدّثْ إنه لا عدْوَى فَرطَنَ بالحبشيِّة قال أبو سلمة فمار رأيته نسي حديثاً غيره …(1) .

فهذه أيها القاريء اللبيب سنّة الرسول، أو قلما يُنسبُ للرسول فمرة يقول أبو هريرة إنه لا علم له بحديثه الأول وإنّما أخبره مُخْبرٌ ومرّة أخرى عندما يجابهوه بتناقضه لا يجيبهم بشيء وإنّما يَرطنُ بالحبشية حتّى لا يفهمه أحد.

خلاف عائشة وإبن عمر روى إبن جريج قال سمعتُ عطاء يُخبرُ قال أخبرني عروةٌ بن الزبير قال كنتُ أنا وإبن عُمرَ مستندين الى حجرة عائشة وإنا لنمع ضربها بالسوّاك تستنّ قال فقلت يا أبا عبدالرحمن إعتمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في رجب قال نعم، فقلتُ لعائشة أي أمّتاه الأ تسمعين مايقولُ أبو عبدالرحمن قالتْ وما يقولُ ؟ قلت يقول إعتمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في رجب، فقالت: «يغفر الله لأبي عبدالرحمن لعمري ما إعتمر في رجب وما إعتمر من عمرة إلا وإنه

(1) صحيح البخاري 7 /31 (باب لا هامة).

صحيح مسلم 7 /32 (باب لاعدوى ولا طيرة).


125

لَمَعهُ» قال وإبن عمر يَسْمَعُ فما قال لا ولا نعمْ سكتَ(1)

2 ـ إختلاف المذاهب في السنّة النبوية

فإذا كان عمر وأبو بكر يختلفان في سنّة النبي(2) صلى الله عليه وآله وسلم وإذا كان أبو بكر يخْتلف مع فاطمة في السنّة النبوية(3) وإذا كان أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يختلفن في سنّة النبي(4) صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا كان أبو هريرة يتناقض ويختلف مع عائشة في السنة النبوية(5) إذا كان أبو عمر يختلف مع عائشة في سنة النبي(6) وإذا كان عبدالله بن عباس وإبن الزبير يختلفان في السنّة النبوية(7) وإذا كان علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان يختلفان في السنة النبوية(8) وإذا كان الصحابة يختلفون في فيما بينهم في السنة النبوية(9) حتى كان للتابعين من بعدهم أكثر من سبعين مذهبا فكان إبن مسعود صاحب مذهب وكذلك إبن عمر ـ وإبن عباس ـ وإبن الزبير ـ وإبن عيينة ـ وإبن جريج والحسن البصري وسفيان الثوري، ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كثير، ولكن المتغيرات السياسية قضت على الجميع ولم تبقى إلا المذاهب الأربعة المعروفة عند أهل السنة والجماعة.

(1) صحيح مسلم 3 /61 صحيح البخاري 5 /86.

(2)إشارة الى إختلافهما في محاربة مانعي الزكاة وقد أشرنا الى المصادر فأرجع اليها.

(3) إشارة الى قصّة فدك وحديث نحن معشر الأنبياء لا نورث، أشرنا الى المصادر.

(4) اشارة الى قصّة رضاعة الكبير التي روتها عائشة وخالف عنها ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(5) إشارة الى رواية يصبح النبي جنبا ويصوم والذي كذبته عائشة.

(6) اشارة الى رواية اعتمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اربعا إحداهن في رجب وكذبته عائشة.

(7)إشاراة الى اختلافهما في حلّية المتعة وتحريمها [ إنظر البخاري 6 /129 ]

(8)اشارة إلى اختلافهما في متعة الحج «إنظر البخاري 2 /153».

(9)في البسملة وفي الوضوء وفي صلاة المسافر وفي الكثير من المسائل الفقهية التي لايمكن حصرها.


126

ورغم قلّة عدد المذاهب إلا إنهم يختلفون في أغلب المسائل الفقهية وذلك من أجل اختلافهم في السنّة النبوّية فقد يبني أحدهم حكمه في مسألةٍ طبق ما صحّحه من حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم بينما يجتهد غيره برأيه أو يقيس على مسألةٍ أخرى لفقدان النص والحديث.

3 ـاختلاف السنّة والشيعة في السنّة النبوية

أمّا إختلاف السنة والشيعة في هذه المسألة فقد يكون لسببين رئيّسين. أحدهما عدم صحة الحديث عند الشيعة إذا كان أحد الرّواة من المطعون في عدالته ولو كان من الصحّابة. إذ إن الشيعة لا يقولون بعدالة الصحابة أجمعين كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة.

أضف الى ذلك إنهم يرفضون الحديث أذا تعارض مع رواية الأئمة من أهل البيت، فهم يقدّمون رواية هؤلاء على غيرهم مهما عَلتْ مرتبتهم ـ ولهم في ذلك أدلّة من القرآن والسنة ثابتة حتى عند خصومهم، وقد سبق الإشارة الى بعضها.

أمّا السبب الثاني في الإختلاف بينهما فهو ناتجٌ عن مفهوم الحديث نفسه إذ قد يفسّره أهل السنة والجماعة على غير تفسير الشيعة ـ كالحديث الذي سبق أن أشرنا إليه وهو قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«إختلاف إمتي رحمة».

إذ يفسره أهل السنة والجماعة بأن في إختلاف المذاهب الأربعة في الأمور الفقهية رحمة للمسلمين.

بينما يفسره الشيعة بالسفر الى بعضهم البعض والإعتناء بأخذ العلم ونحوه من الفوائد.

أو قد يكون الإختلاف بين أهل الشيعة وأهل السنة، ليس في مفهوم الحديث النّبوي، وإنّما في الشخص أو الأشخاص المعنيين بهذا الحديث وذلك كقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

«عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي».


127

فأهل السنّة يعنون به الخلفاء الأربعة، أما الشيعة فيعنون به الأئمة الإثني عشر إبتداء من علي بن أبي طالب وإنتهاء بالمهدي محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام). أو كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«الخلفاء من بعدي إثنى عشر كلهم من قريش».

فالشيعة يعنون به الأئمة الإثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) بينما لا يحد أهل السنة والجماعة تفسيراً شافياً لهذا الحديث وقد إختلفوا حتى في الأحداث التاريخيه التي تتعلّقُ بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلم كما هو الحال في يوم مولده الشريف إذ يحتفل أهل السنة بالمولد النبوي الشريف يوم الثاني عشر من ربيع الأول في حين يحتفل الشيعة في السابع عشر من نفس الشهر.

ولعمري أن هذا الإختلاف في السنة النَبوّية أمر طبيعي لا ُمفّر منه إذا لم يكن هناك مرجعٌ يرجعُ اليه الجميع ويكون حكمه نافذاً، ورأيه مقبولاً لدى الجميع كما كان الرسول صلّى الله عليه واله وسلّم، حيث كان يقطع دابر الإختلاف ويحسمُ النزاع ويحكم بما أراه الله فيسلّمون ولو كان في أنفسهم حرج، وإن جود مثل هذا الشخص ضروريّ في حياة الأمّة وعلى طول مداها ! هكذا يحكم العقل ولا يمكن أن يغفل رسول الله صلّى الله عليه والله وسلم عن ذلك فهو يعلم بأن أمته ستتأول كلام الله من بعده، فكان لزاماً عليه أن يُحضرّ لها معلّماً قادراً ليقودها إلى الجادّة إذا ما حاولتْ الإنحراف عن الصراط المستقيم، وقد هيّأ بالفعل لأمّته قائداً عظيماً بذل كل جهوده في تربيته وتعليمه منذ وُلدَ الى أنْ بلغ الكمال وصار منه بمنزلة هارون من موسى، فأوكل اليه هذه المهمّة النّبيلة بقوله:

«أنا أقاتلُهم على تنزيل القرآن وأنتَ تقاتلهم على تأويله»(1) .

(1) الخوارزمي في المناقب ص 44. ينابيع المودّة ص 233.

الإصابة لإبن حجر العسقلاني 1 /25 كفاية الطالب 334

منتخب كنز العمال 5 /36 إحقاق الحق 6 /37.


128

وقوله: «أنت ياعلي تبينّ لأمّتي ما إختلفوا فيه من بعدي»(1) .

فإذا كان القرآن وهو كتاب الله العزيز يتطلّب من يقاتل في سبيل تفسيره وتوضيحه، لأنه كتاب صامتٌ لا ينطق، وهو حمّال أوجهٍ متعدّدة وفيه الظاهر والباطن فكيف بالأحاديث النّبوية ؟!

وإذا كان الأمر كذلك في الكتاب والسنّة، فلا يمكنُ للرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يترك لأمّته ثقلين صامتين أبْكمين لا يتورّع الذين في قلوبهم زيغٌ أن يتأوّلوهما لغرض ويتّبعوا ما تشابه منهما إبتغاء الفتنة وإبتغاء الدينا ويكون سبباً لضلالة من يأتي بعدهم، لأنهم أحسنوا الظن بهم وإعتقدوا بعد التهم ويوم القيامة يندمون فيصدق فيهم قوله تعالى: ﴿ يومَ تُقلَّبُ وجوههم في النّار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا ربّنا إنّا أطعنا سَادتنا وكُبرآءنَا فأضلّونَا السبيلا، ربّنا أءتهم ضعفين من العذاب وألعنهم لعناً كبيراً (2) ﴿ كلّما دخلتْ أمّة لعنتْ أختها حتّى إذا إدّاركوا فيها جميعاً قالتْ آخراهم لأوُلاهم، ربّنا هؤلاءِ أضلّونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النّار، قالَ لكلّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون (3) .

وهلْ كانت الضّلالة الا من ذلك ؟ فليس هناك أمّة لم يبعث الله فيهم رسولاً أو ضح لهم السبيل وأنار لهم الطريق ولكنّهم بعد نبيّهم راحوا يحرّفون ويتأولون ويبدّلون كلام الله ! فهل يتصوّر عاقل أن رسول الله عيسى (عليه السلام) قال للنّصارى بأنّه إله ؟ حاشا وكلا «ماقلتُ لهم إلا ما أمرتني به» ولكن الأهواء والأطماع وحب الدنيا هو الذي جرّ النصارى لذلك ألم يبشرهم.

(1) مستدرك الحاكم 3 /122 تاريخ دمشق لإبن عساكر 2 /488.

المناقب للخوارزمي ص 236 كنوز الحقائق للمناوي ص 203

منتخب كنز العمال 5 /33 ينابيع المودة ص 182.

(2) سورة الأحزاب آية 66 ـ 68.

(3)سورة الأعراف آية 38.


129

عيسى بمحمّد ؟ ومن قبله موسى كذلك، ولكنّهم تأولوا إسم محمد وأحمد «بالمنقذ» وهم حتّى الأن ينتظرونه.

وهل كانت أمّة محمد على مذاهب وفرق متعدّدة الى «ثلاث وسبعين كلّها في النار إلا فرقة واحدة» إلا بسبب التأويل: وها نحنُ نعيس اليوم بين هذه الفرق هل هناك فرقة واحدة تنسبُ لنفْسها الضلاله ؟ أو بتعبير آخر: هل هناك فرقة واحدة تدّعي إنها خالفتْ كتاب الله وسنة رسوله ؟ بالعكس كل فرقة تقول بأنها هي المستمسكة بالكتاب والسنة، فما هو الحلّ إذاً ؟؟

أكانَ يغيبُ الحلّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو بالأحرى عن الله ؟ أستغفر الله إنّه لطيف بعباده ويحبُ لهم الخير فلا بدَّ أن يضع لهم حلاَّ، ليهلك من هلك على بيّنة. وليس في شأنه سبحانه إهمال مخلوقاته وتركهم بدون هداية، اللَّهم إلا إذا إعتقدنا بأنه هو الذي أراد لهم الإختلاف والفرقة والضلالة ليزجّ بهم في ناره، وهو إعتقاد باطل فاسدٌ. أستغفره وأتوب إليه من هذا القول الذي لا يليق بجلال الله وحكمته وعدالته.

فقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بانّه ترك كتاب الله وسنّته ليس هو الحلّ المعقول لقصيّتنا، بل يزيدنا تعقيداً وتأويلاً ولا يقطع دابر المشاغبين والمنحرفين إلا تراهم عندما خرجوا على إمامهم َرفعُوا شعار: ليس الحكم لك ياعلي وإنما الحكم لله ! إنه شعار برّاقٌ يأخذُ بلبّ السّامع فيخالُ القائلُ به حريصاً على تطبيق أحكام الله، ورافضاً لأحكام غيره من البشر، ولكن الحقيقة ليستْ كذلك.

قال تعالى: ومن النّاس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهدُ الله على ما في قلبه، وهو ألدّ الخصام (1) .

نعم كثيراً ما نغتَرُّ بالشعارات البرّاقة ولا نعرف ماذا تُخفي وراءهَا، ولكن

(1) سورة البقرة آية 204.


130

الإمام علياً يعرف ذلك لأنه باب مدينة العلم، فأجابهم «إنها كلمة حَق يُراد بها باطل».

نعم كثيرةٌ هي كلماتُ الحقّ التي يُراد بها الباطل، كيف ذلك ؟ عندما يقول الخوارج للإمام علي الحكم لله ليس لك ياعلي، فهل سيظهر الله على الأرض ويفصل بينهم فيما إختلفوا فيه ؟ أم إنّهم يعلمون إنّ حكم الله في القرآن، ولكنّ علياّ تأوّله حسب رأيه ؟ فما هي حجّتهم ومن يقول بأنهم هم الذين تأوّلوا حكم الله، ولاحال إنّه أعلم منهم وأصدق وأسبق للإسلام وهل للإسلام غيره ؟

إذن هو شعار برّاقٌ ليموّهوا به على بسطاء العقول فيكسبوا تأييدهم ليستعينوا بهم على حربه وكسب المعركة لصالحهم كما يقع اليوم فالزمان زمان والرجال رجال والدّهاء والمكر لاينقطع بل يزداد وينموا لأن دهات هذا العصر يستفيدون من تجارب الأولين، فكم من كلمة حق يراد بها باطل في يومنا هذا ؟ شعارات برّاقة كالذي يرفعها الوهابيون في وجه المسلمين وهو «التوحيد وعدم الشرك» فمن من المسلمين لا يوافق عليه وكتسمية فرقة من المسلمين أنفسهم «بأهل السنة والجماعة فَمَنْ من المسلمين لا يوافق أن يكون مع الجماعة التي تتبع سنّة النبي ؟ وكشعار البعثيين «أمّةً عربيةٌ واحدة ذات رسالة خالدة» فمن من المسلمين لا يغتّر بهذا الشعار، قبل أنّ يعرف خفايا حزب البعث ومؤسسه النصراني ميشال عفلق ؟

لك الله ياعلي بن أبي طالب أن حكمتك بَقِيتْ وستبقى مدوّيةً على مسمع الدّهر فكم من كلمة حق يرادُ بها الباطل، صَعد أحد العلماء الى منصّة الخطابة وصاح بأعلى صوته: من قالَ بأنني شيعي نقول له: أنتَ كافر، ومن قال بأنّني سنّي نقول له: أنت كافر، نحْنُ لا نريد شيعة ولا سنّة وإنما نريد إسلاماً فقط ـإنها كلمة حقّ يراد بها باطل ـ فأيّ إسلام يريده هذا العالم ؟ وفي عالمنا اليوم إسلام متعدّد، بل وحتّى في القرن الأول كان الإسلام متعدداً، فهناك إسلام علي وأسلام معاوية وكلاهما له أتباع ومؤيدون حتّى وصل الأمر الى القتال وهناك إسلام


131

الحسين وإسلام يزيد الذي قتل أهل البيت بإسم الإسلام وإدّعى أن الحسين خرج عن الإسلام بخروجه عليه وهناك إسلام أئمة أهل البيت وشيعتهم، وإسلام الحكام وشعوبهم، وعلى مرّ التاريخ نجد إختلافاً بين المسلمين وهناك إسلام متسامح كما يسمّيه الغرب لأن أتباعه ألقوا بالمودّة لليهود والنصارى وأصبحوا يركعون للقوّتين العظيمتين وهناك إسلام متشدّد يُسمّيه الغرْب إسلام التعصّب والتحجّر أو مجانين الله.

وبعد كل هذا لم يبق معنا مجالٌ للتصديق بحديث «كتاب الله وسنّتي» للأسباب التي ذُكرتُ.

تبقى الحقيقة ناصعة جليّة في الحديث الثاني الذي أجمع عليه المسلمون وهو «كتاب الله وعترتي أهل بيتي» لأن هذا الحديث يُحلّ كلّ المشكلات فلا يبقى إختلاف في تأويل أية آية من القرآن أو في تصحيح وتفسير أي حديث نبوي شريف إذا مارجعنا الى أهل البيت الذين أُمرنا بالرجوع اليهم وخصوصا إذا علمنا بأنّ هؤلاء الذين عيّنهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هم أهلٌ لذلك، ولا يشكّ أحدٌ من المسلمين في غزارة علمهم وفي زهدهم وتقواهم، وقد أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم وأورثهم علم الكتاب فلا يخالفونه ولا يختلفون فيه بل لايفارقونه حتّى قيام السّاعة قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي، فإنهما لم يفترقا حتّى يردَا عليّ الحوض»(1) .

«ولأكون مع الصادقين يجبُ عليَّ قول الحقّ لا تأخذني في ذلك لومة لائم وهدفي رضا الله سبحانه وإرضاء ضميري قبل رضا الناس عني».

(1)مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 /122. الدر المنثور للسيوطي 2 /60 كنز العمال 1 /154. مجمع الزوائد 9 /162 ينابيع المودة ص 38 و183.

عبقات الأنوار 1 /16 ـ الحاكم في المستدرك 3 /148.


132

والحقيقة في هذا البحث هي في جانب الشيعة الذين إتّبعوا وصّية رسول الله في عترته وقدموهم على أنفسهم وجعلوهم أئمتهم يتقرّبونَ الى الله بحبهم والإقتداء بهم فهنيئاً لهم بالفوز في الدنيا وفي الآخرة حيث يُحشر المرء من أحبّ فكيف بمن أحبّهم وإقتدى بهديهم.

قال الزمخشري في هذا الصدد:

كثُر الشك والإختلاف وكلّ يدّعي إنّه السراط السّوي فتمسّكتُ بلا إله إلا اللهُوحبّي لأحمد وعلـــي فازَ كلبٌ بحبّ أصحاب كهف فكيفَ أشقى بحبّ آل النّبي اللّهم إجعلنا من المتسمكين بحبل ولائهم والسائرين على منهاجهم والراكبين سفينتهم والقائلين بإمامتهم والمحشورين في زمرتهم إنّك تهدي من تشاء الى سراط مستقيم.


133

القضاء والقدر (عند أهل السنة)

كان موضوع القضاء والقدر لغزاً عويصاً فيما مضى من حياتي إذ لم أجد فيه تفسيراً شافياً ولا كافياً يريح فكري ويقنع قلبي، وبقيتُ محتاراً، بينما تعلّمته في مدرسة أهل السنّة من إن الإنسان مسيّرٌ في كلّ أفعاله بما يوافق: «كل ميسّرُ لما خلقَ له» وإنّ الله سبحانه يبعث الى الجنين في بطن أمه ملكين من الملائكة فيكتبان أجله ورزقه وعمله، وإن كان شقّياً أو سعيداً(1) ، وبين ما يمليه عقلي وضميري، من عدالة الله سبحانه وتعالى وعدم ظلمه لمخلوقاته، إذ كيف يجبرهم على أفعال ثم يحاسبهم عليها ويعذبهم من أجل جرم كتبه هو عليهم وأجبرهم عليه.

فكنت كغيري من شباب المسلمين أعيش تلك التناقضات الفكرية في تصويري بأن الله سبحانه هو القوي الجبار الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون(2) ـ وهو فعال لما يريد(3) ـ وقد خلق الخلق وجعل قسما منهم في الجنة

(1) صحيح مسلم 8 /44.

(1)سورة الأنبياء آيه 23.

(2)سورة البروج آية 16.


134

وقسما آخر في الجحيم ـ ثم هو رحمن رحيم بعباده لا يظلم مثقال ذرة(1) وما ربك بظلام للعبيد (2) ـ إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (3) ، ثم هو أحن عليهم من المرأة على ولدها كما جاء ذلك في الحديث الشريف(4) .

وكثيراً مايتراءى هذا التناقض في فهمي لآيات القرآن الكريم فمرة أفهم بأن الإنسان على نفسه بصيرة وهو المسؤول الوحيد عن أعماله فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (5) .

ومرة أفهم بأنه مسير وليس له حول ولا قوة، ولايملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا رزقا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله (6) فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء (7) .

نعم لست وحدي بل أغلب المسلمين يعيش هذه التناقضات الفكرية وللذلك تجد أغلب الشيوخ والعلماء إذا ما سألتهم عن موضوع القضاء والقدر لا يجدون جواباً يقنعون به أنفسهم قبل إقناع غيرهم، فيقولون: هذا موضوع لا يجب الخوض فيه، وبعضهم يحرم الخوض فيه ويقول: يجب على المسلم أن يؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره وإنه من عند الله.

وإذا ماسألهم معاند: كيف يجبر الله عبده على إرتكاب جريمة ثم يزج به في نار جهنم ؟ إتهموه بالكفر والزندقة والخروج عن الدين الى غير ذلك من التهم

(1) سورة النساء آية 40.

(2)سورة فصلت آية 46.

(3)سورة يونس آية 44.

(4)صحيح البخاري 7 /75.

(6) سورة الزلزلة آيه 7 ـ 8.

(6)سورة الإنسان آية 30.

(7)سورة فاطر آية 8.


135

الباردة، فجمدت العقول وتحجرت وأصبح الإيمان بأن الزواج بالمكتوب، والطلاق بالمكتوب،وحتى الزنا فهو مكتوب إذ يقولون: مكتوب على كل فرج إسم ناكحه، وكذلك شرب الخمر، وقتل النفس وحتى الأكل والشرب فلا تأكل ولا تشرب إلا ما كتب الله لك !

قلت لبعض علمائنا بعد إستعراض كل هذه المسائل: إن القرآن يكذب هذه المزاعم، ولا يمكن للحديث أن يناقض القرآن ! قال تعالى في شأن الزواج وإنكحوا ماطاب لكم من النساء (1) فهذا يدل على مرتبة الأختيار وفي شأن الطلاق الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (2) وهو أيضا إختيار وفي الزنا قال ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (3) وهو أيضاً دليل الإختيار وفي الخمر قال إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (4) وهي أيضا تنهى بمعنى ألأختيار.

أما قتل النفس فقد قال فيها: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (5) وقال: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه لعنه وأعد له عذابا أليما (6) فهذه أيضا تفيد الإختيار في القتل.

وحتى بخصوص الأكل والشرب فقد رسم لنا حدودا فقال: وكلوا وإشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (7) فهذه أيضاً بالإختيار.

فكيف ياسيدي بعد هذه الأدلة القرآنيه بأن كل شيء من الله

(1) سورة النساء آية 3.

(2) سورة البقرة آية 229.

(3) سورة الإسراء آيه 32.

(4)سورة المائدة آيه 91.

(5)سورة الأنعام آية 151.

(6)سورة النساء آية 93.

(7)سورة الأعراف آية 31.


136

والعبد مسير في كل أفعاله ؟؟.

أجابني: بأن الله سبحانه هو وحده الذي يتصرف في الكون وإستدل بقوله قل اللّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (1) .

قلت: لا خلاف بيننا في مشيئة الله سبحانه وإذا شاء الله أن يفعل شيئا، فليس بإمكان الإنس والجن ولا سائر المخلوقات أن يعارضوا مشيئته ! وإنما إختلافنا في أفعال العباد هل هي منهم أم من الله ؟؟

أجابني: لكم دينكم ولي ديني، وأغلق باب النقاش بذلك. هذه هي في أغلب الأحيان حجة علمائنا، وأذكر أني رجعت إليه بعد يومين وقلت له: إذا كان إعتقادك إن الله هو الذي يفعل كل شيء وليس للعباد أن يختاروا أي شيء. فلماذا لا تقول في الخلافة نفس القول، وإن الله سبحانه هو الذي يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ؟

فقال: نعم أقول بذلك، لأن الله هو الذي إختار أبا بكرثم عمر ثم عثمان ثم علي ولو شاء الله أن يكون علي هو الخليفة الأول ما كان الجن والأنس بقادرين على منع ذلك.

قلت: الآن وقعت ؟

قال: كيف وقعت ؟

قلت: إما أن أن تقول بأن الله إختار الخلفاء الراشدين الأربعة ثم بعد ذلك ترك الأمر للناس يختارون من شاءوا.

وإما ان تقول بأن الله لم يترك للناس الإختيار وإنما يختار هو كل الخلفاء من وفاة الرسول الى قيام الساعة ؟

أجاب: أقول بالثاني قل اللّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع

(1) سورة آل عمران آية 26


137

الملك ممن تشاء … .

قلت: إذاً فكل إنحراف وكل ضلالة وكل جريمة وقعت في الإسلام بسبب الملوك والأمراء فهي من الله، لأنه هو الذي أمر هؤلاء على رقاب المسلمين ؟

أجاب: وهو كذلك، ومن الصالحين من قرأ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها أي جعلناهم أمراء .

قلت متعجبا: إذاً فقتل علي على يد إبن ملجم وقتل الحسين بن علي أراده الله ؟؟

فقال منتصرا: نعم طبعا ـ ألم تسمع قول الرسول لعلي:

«أشقى الآخرين الذي يضربك على هذه حتى تبتل هذه. وأشار الى رأسه ولحيته كرم الله وجهه».

وكذلك سيدنا الحسين قد علم رسول الله بمقتله في كربلاء وحدث أم سلمة بذلك كما علم بأن سيدنا الحسين سيصلح الله به فرقتين عظيمتين من المسلمين، فكل شيء مسطر وكتوب في الأزل وليس للإنسان مفر. وبهذا أنت الذي وقعت لا أنا.

سكت قليلا أنظر اليه وهو مزهو بهذا الكلام، وظن أنه أقحمني بالدليل؛ كيف لي أن أقنعه بأن علم الله بالشيء لا يفيد حتما بأنه هو الذي قدره وأجبر الناس عليه، وأنا أعلم مسبقا بأن فكره لا يستوعب مثل هذه النظرية.

سألته من جديد: إذا فكل الرؤساء والملوك قديما وحديثا والذين يحاربون الإسلام والمسلمين نصبهم الله ـ قال: نعم وبدون شك.

قلت: عل الإستعمار الفرنسي على تونس والجزائر والمغرب هو من الله قال: بلا، لما جاء الوقت المعلوم خرجت فرنسا من تلك الأقطار.

قلت: سبحانه الله ! فكيف كنت تدافع سابقا عن نظرية أهل السنّة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وترك الأمر شورى بين المسلمين.


138

ليختاروا من يشاؤون ؟

قال: نعم ولا زلت على ذلك وسأبقى على ذلك إنشاء الله !

قلت: فكيف توفق بين القولين: إختيار الله وإختيار الناس بالشورى ؟

قال ! بما إن المسلمين إختاروا أبا بكر فقد إختاره الله !

قلت: أنزل عليهم الوحي في السقيفة يدلهم على إختيار الخليفة ؟

قال: أستغفر الله ليس هناك وحي بعد محمد كما يعتقد الشيعة ! (والشيعة كما هو معروف لا يعتقدون بهذا وإنما هي تهمة ألصقها بهم أعداؤهم).

قلت: دعنا من الشيعة وأباطيلهم واقنعنا بما عندك ! كيف علمت بأن الله إختار أبا بكر ؟

قال: لو أراد الله خلاف ذلك لما تمكن المسلمون، ولا العالمون خلاف مايريده الله تعالى ؟

عرفت حينئذ إن هؤلاء لا يفكرون ولا يتدبرون القرآن، على رأيهم سوف لن تستقيم أية نظرية فلسفية أو علمية.

وهذا يذكرني بقصة أخرى كنت أمشي مع صديق في حديقة كان بها نخل كثير وكنت أحدثه في القضاء والقدر فصقطت فوق رأسي تمرة ناضجة أخذتها من فوق الحشائش لأكلها وضعتها في في.

تعجيب صديقي قائلا: لا تأكل إلا ماكتبه الله لك ! هذه التمرة سقطت بأسمك قلت: ما دمت تؤمن بأنها مكتوبة فسوف لن آكلها. ولفظتها.

قال:سبحان الله ! إذا كان الشيء غير مكتبوب لك يخرجه الله حتى من بطنك قلت: إذاً سآكلها والتقطها من جديد لأثبت بأني مخير في أكلها أو تركها بقي صديقي يرقبني حتى مضغتها وإبتلعتها، عند ذلك قال: هي والله كاتبة لك [ يقصد كتبها الله إليك ]، وإنتصر علي بتلك الطريقة لأني لا يمكن لي بعد، أن أخرج التمرة من جوفي.


139

نعم هذه عقيدة أهل السنّة في خصوص القضاء والقدر أو قل هذه عقيدتي عندما كنتُ سنياً.

ومن الطبيعي أن أعيش بهذه العقيدة مشوش الفكر بين التناقضات ومن الطبيعي أن نبقى في جمود دائم وننتظر أن يغير الله ما بنا، عوض أن نغير نحن ما بأنفسنا لكي يغير الله ما بنا، ونتهرب من المسؤولية التي تحملناها ونلقي بها عليه سبحانه، فإذا قلت للزاني أو للسارق أو حتى للمجرم الذي أغتصب فتاة قاصرة وقتلها بعد شهوته فسيجيبك: الله غالب، قدر ربي. سبحان هذا الرب الذي يأمر الإنسان بدفن إبنته ثم يسأله بأي ذنب قتلت ؟ سبحانك إن هذا إلا بهتان عظيم !.

ومن الطبيعي أن يزدري بنا علماء الغرب ويضحكون لسخافة عقولنا، بل وينبزوننا بالألقاب فيسمونه «مكتوب العرب» ويجعلونه سببا رئيسيا لجهلنا وتخلفنا.

ومن الطبيعي أيضا أن يعرف الباحثون بأن هذا الاعتقاد نشأ من الدولة الاموية الذين كانوا يرجون بأن الله سبحانه هو الذي أعطاهم الملك وأمرهم على رقاب الناس فيجب على الناس أطاعتهم وعدم التمرد عليهم لأن مطيعهم مطيع لله والخارج عليهم هو متمرد على الله يجب قتله. ولنا في ذلك شواهد عديدة من التاريخ الأسلامي:

فهذا عثمان بن عفان عندما يطلبون منه أن يعتزل يرفض ويقول لا أخلع قميصا قمصنيه الله(1) فعلى رأيه الخلافة هي لباس له وقد ألبسه الله إياه فلا ينبغي لأحد من الناس أن ينزعه عنه إلا الله سبحانه يعني بالوفاة

وهذا معاوية أيضا يقول: إني لم أقاتلكم لتصوموا ولتزكوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون فهذا يذهب شوطا أبعد من

(1)تاريخ الطبري حصار عثمان وتاريخ إبن الأثير.


140

عثمان لأنه يتهم ربّ العزة والجلالة بأنّه أعانه على قتل المسلمين ليتأمّر عليهم وخطبة معاوية مشهورة(1)

وحتّى في إختياره ليزيد إبنه وتوّليه على النّاس رغم أنوفهم فقد إدّعى معاوية أنّ الله هو الذي إستخلف إبنه يزيداً على الناس وذلك مارواه المؤرخون، وعندما كتب بَيعتهُ الى الآفاق، وكان عامله على المدينه مروان بن الحكم، فكتب اليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد(2) .

وكذلك فعل إبن زياد الفاسق عندما أدخلوا عليه علياً زين العابدين مكبّلاً بالأغلال فسأل قائلاً من هذا فقالوا علي بن الحسين ! قال: ألم يقتل الله علي بن الحسين فأجابته زينب عمّته: بل قتلَهُ أعداء الله وأعداء رسوله.

فقال لها إبن زياد: كيفَ رأيتُ فعل الله بأهل بيتك.

قالت: مارأيت إلا جميلاً، هؤلاء قومٌ كتبَ الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فأنظر لمن الفلح يومئذ، ثكلتك أمك يا بن مرجانه(3) .

وهكذا تفشّى هذا الإعتقاد من بني أمية وأعوانهم وسرى في الأمة الإسلامية عدا شيعة أهل البيت.

(1) مقاتل الطالبين ص 70 وإبن كثير 8 /131وابن أي الحديد 3 /16.

(2) الإمامة والسياسة 1 /151 بيعة معاوية ليزيد بالشام.

(3) مقاتل الطالبين ـ مقتل الحسين.


141

عقيدة الشيعة في القضاء والقدر

وما أن عرفتُ علماء الشيعة(1) وقرأت كتبهم حتّى إكتشفتُ علماً جديداً في القضاء والقدر.

وقد أوضحه الإمام علي (عليه السلام) بأوضح بيان وأشمله إذ قال لمن سأله عن القضاء والقدر:

«ويحك لعلّك ظننتَ قضاء لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وصقط الوعد والوعيد.

إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصً مغلوباً، ولم يُطعْ مُكرِهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً. ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار …(2) .

(1) كالشهيد محمد باقر الصدر طيب الله ثراه الذي أفادني كثيرا في الموضوع وكالسيد الخوئي والعلامة السيد محمد علي الطباطبائي والسيد الحكيم وغيرهم.

(2) شرح نهج البلاغة محمد عبده 4 /673.


142

فما أوضحه من بيان، وما قرأت في الموضوع كلاماً أبلغ منه وبرهاناً أدّل على الحقيقة منه، فالمسلم يقتنع بأن أعماله هي من محض إرادته وإختياره، لأن الله سبحانه أمرنا ولكنّه ترك لنا حرية الإختيار وهو قول الإمام «إن الله أمر عباده تخييرا ً».‌

‌ كما إنه سبحانه نهانا وحذّرنا عقابَ مخالفته فدّل كلامه على أن للإنسان حرية التصرّف وبإمكانه أن يخالف أوامر الله، وفي هذه الحالة يستوجب العقاب، وهو قول الإمام [ ونهاهم تحذيراً».

وزاد الإمام علي (عليه السلام) توضيحا للمسألة فقال: بأن الله سبحانه لم يُعصَ مغلوباً، ومعنى ذلك بأن الله لو أراد جبْرَ عباده وإرغانهم على شيء، لم يكن بمقدورهم جميعا أن يغلبوه على أمره فدلّ ذلك على إنه ترك لهم حرّية الأختيار في الطاعة والمعصية وهو مصداقٌ لقوله تعالى قل الحق من ربّكم فمن شاء فيلؤمن ومن شاء فليكفر (1) .

ثم بعد ذلك يخاطب الإمام علي ضمير الإنسان ليصل الى أعماق وجدانه فيأتي بالدليل القاطع على إنه لو كان الإنسان مجبوراً على أفعاله، كما يعتقده البعض لكان إرسال الأنبياء وإنزال الكتب ضرباً من اللعب والعبث الذي يتنزّه الله جلّ جلاله عنه، لأن دور الأنبياء سلام الله عليه أجمعين وإنزال الكتب هو لإصلاح النّاس واخراجهم من الظلمات الى النور واعطائهم العلاج النافع لأمراضهم النفسيهوتوضيح الطريقة المثلى للحياة السعيدة قال تعالى: إنّ هذا القرآن يهدي للّتي هي أقومُ (2) .

ويختم الإمام علي بيانه بأن الإعتقاد بالجبر هو نفس الإعتقاد يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ، وهو كفرّ توعّد الله القائلين به بالنّار ـ

(1) سورة الكهف آية 29.

(2) سورة الإسراء آية 9.


143

وإذا محصنا قول الشيعة في القضاء والقدر وجدناه قولاً سديداً ورأياً رشيداً، فبينما فرطت طائفة فقالت بالجبر أفرطت أخرى فقالت بالتفويض، جاء أئمة أهل البيت سلام الله عليهم ليصحّحوا المفاهيم والمعتقدات ويرجعوا بهؤلاء واولئكفقالوا: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»(1)

ضرب الإمام جعفر الصادق لذلك مثلاً مبسّطاً يفهمه كل الناس وعلى قدر عقولهم فقال للسائل عندما سأله: ما معنى قولك لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين ؟ أجابه عليه السلام:«ليس مشيُك على الأرض كسقوطك عليها ومعنى ذلك أنّنا نمشي على الأرض بإختيارنا ـ ولكنّنا عندما نسقط على الأرض فهو بغير إختيارنا، فمن منا يُحبّ السّقوط الذي قد يُسبّبْ بعض الأعضاء من جسمنا فنصبح معاقين.

فيكون القضاء والقدر أمراً بين أمرين، أي قسم هو من عندنا وبإختيارنا ونحن نفعله بمحض إرادتنا.

وقسم ثان هو خرج عن إرادتنا ونحن خاضعون له ولا نقدر على دفعه، فنُحاسَبُ على الأول ولا نُحاسبُ على الثاني.

والأنسانُ في هذه الحالة مُخيّرٌ ومسيّرٌ في نفس الوقت.

أ ـ مُخيّرٌ في أفعاله التي تصدر منه بعد تفكير ورويّة إذ يمر بمرحلة التخيير والصراع بين الإقدام والإحجام، وينتهي به الأمر إمّا بالفعل أو الترك، وهذا ماأشار اليه سبحانه بقوله: ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقوَاها، قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها (2) .

فالتزكية للنفس والدسّ لها هما نتيجة إختيار الضمير في كل انسان ـ كما إن الفلاح والخيبة هما نتيجة حتمية وعادلة لذلك الإختيار.

(1) عقائد الشيعة في القضاء والقدر.

(2) سورة الشمس آيه 6 ـ 10.


144

ب ـ مُسيّرٌ بكلّ مايحيط به من نواميس الكون وحركته الخاضعة كلها لمشيئة الله سبحانه بكل أجزائها ومركبّاتها وأجرامها وذرّاتها، فالأنسان ليس له أن يختار جنسه من ذكورة وأنوثة ولا أن يختار لونه فضلاً عن إختيار أبويه ليكون في أحضان أبوين موسرين بدلاً من أن يكونوا فقراء، ولا أن يختار حتى طول قامته وشكل جسده.

فهو خاضع لعدّة عوامل قاهرة «كالأمراض الوراثية مثلاً» ولعدّة نواميس طبيعية تعمل لفائدته بدون أن يتكلّف فهو ينام عندما يتعب ويستطيقظ عندما يرتاح، ويأكل عندما يجوع ويشرب عندما يعطش، ويضحك وينشرح عندما يفرح، ويبكي وينقبض عندما يحزن، وفي داخله معامل ومصانع تصنع الهرومونات والخلايا الحية، والنطفْ القابلة للتحول، وتبني في نفس الوقت جسمه في توازن منسّق عجيب، وهو في كل ذلك غافل لايدري بأن العناية الألهية محيطة به في كل لحظة من لحظات حياته بلا وحتى بعد مماته ! يقول الله عزّ وجلّ في هذا المعنى:

أيحسب الأنسان أن يترك سدى، ألم يكُ نَطفة من منيّ يُمنَى، ثم كان علقة فخلق فسوّى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يُحيي الموتَى (1) .

بَلا، سبحانك وبحمدك َربنا الأعلى أنت الذي خلقْتَ فَسّويتَ وأنتَ الذي قدّرتَ فهديت وأنت الذي أمَتَّ ثم أحَيْيتَ، تباركت وتعاليت، فتعساً وبعداً لمن خالفك ونأى عنك ولم يقدّرك حق قدرك.

ولنختم هذا البحث بما قاله الإمام علي بن موسى الرضا وهو الإمام الثامن من أئمة اهل البيت عليهم السلام وقد إشتهر بالعلم في عهد المأمون ولم يبلغ

(1) سورة القيامة آية 36 ـ 40.


145

الرابعة عشر من عمره حتّى كان أعلم أهل زمانه(1) .

سأله سائل عن معنى قول جدّه الإمام الصادق «لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين» فأجابه الإمام الرضا:

«من زعم أن الله يفعل أفعالنا، ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق الى حُججه ـ أي الأئمة ـفقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافرٌ، والقائل بالتفويض مشركٌ.

أمّا معنى الأمر بين الأمرين فهو وجود السبيل الى إتيان ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، أي إن الله سبحانه أقدره على فعل الشرّ وتركه، كما. أقدره على فعل الشر وتركه، وأمره بهذا ونهاه عن ذاك».

وهذا لعمري بيان كافٍ وشافٍ على مستوى العقول ويفهمه كل الناس من المثقفين وغير المثققين.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال في حقهم:

«لا تتقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم»(2) .

(1) العقد الفريد لإبن عبد ربه 3 /42.

(3) إبن حجر في الصواعق المحرقة ص 148. مجمع الزوائد 9 /163.

(4).ينابيع المودة ص 41 ـ الدر المنثور للسيوطي 2 /90 كنز العمال 1 /168 أسد الغابة 3 /137 عبقات الأنوار 1 /184.


146


147

تعليقة على الخلافة ضمن القضاء والقدر

واللطيف في هذا الموضوع إن أهل السنة والجماعة رغم أعتقادهم بالقضاء والقدر الحتمي وإن الله سبحانه هو الذي يّسيرُ عباده في أعمالهم وليس لهم الخيرة في شيء، ولكنهم في أمر الخلافة يقولون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وترك الأمر شورى بين النّاس ليختاروا لأنفسهم.

والشيعة على العكس تماماّ، فرغم إعتقادهم بأن الأنسان مخيّرٌ في أعماله وإن عباد الله يفعلون ماشاؤوا (ضمن مقولة لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين)، إلا أنهم في أمر الخلافة يقولون بأنه لا حَّق لهم في الإختيار!

ويبدو هذا وكأنه تناقضٌ من الطرفين، السنة والشيعة لأول وهلة، ولكنّ الحقيقة ليست كذلك.

فالسنة عندما يقوولون بأن الله سبحانه هو الذي يّسير عباده في أعمالهم، يتناقضون مع الواقع إذ إن الله سبحانه (عندهم) هو المخيّر الفعلي ولكنه يترك لهم الخيار الوهمي إذ إن الذي إختار أبا بكر يوم السقيقفة، هو عمر ثم بعض الصحابة، ولكن في الحقيقة منفذون لأمر الله الذي جعلهم واسطة ليس إلا، على حساب هذا الزعم.


148

وأمّا الشيعة عندمكا يقولون بأن الله سبحانه خيّر عباده في أفعالهم، فلا يتناقضون مع قولهم بأن الخلافة هي بإختيار الله وحده وربّك يخلق مايشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة لأن الخلافة كالنّبوة ليست هي من أعمال العباد ولا موكلة اليهم، فكما ان الله يصطفي رسوله من بين الناس ويبعثهُ فيهم فكذلك بالنسبة لخليفة الرسول وللناس أن يطيعوا أمر الله ولهم أن يعصوه، كما وقع بالفعل في حياة الأنبياء وعلى مرّ العصور فيكون العباد أحرارا في قبول إختيار الله، فالمؤمن الصالح يقبلْ ماإختاره الله، والكافر بنعمة ربّه يرفض ما إختاره الله له ويتمرّد عليه، قال تعالى:

فمن إتّبعَ هدايَ فلا يضلَ ولا يشقى، ومن أعْرضَ عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكاً ونحن نحشره يوم القيامة أعمى، قال ربّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كُنت بصيراً، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تُنسىَ (1) .

ثم إنظر الى نظرية أهل السنّة والجماعة في هذه المسألة بالذات فسوف لن تُلقي باللّوم على أحد، لأن كل ما وقع ويقع بسبب الخلافة وكل الدّماء التي أريقت والمحارم التي هُتكتْ كل ذلك من الله، حيث عقب بعض من يدعي العلم منهم بقوله تعالى: ﴿ ولو شاء ربّك ما فعلوه (2) .

أما نظرية الشيعة فهي تحمّل المسؤولية كل من تَسبب بالإنحراف وكلٌ من عصى أمر الله وكل على قدر وزره ووزر من تبع بدعته الى يوم القيامة كلّكم راع وكلكّم مسؤول عن رعيته قال تعالى: وقفوهم إنهم مسؤولون (3).

(1) سورة طه اية 123 ـ 126.

(2) سورة الأنعام آية 112.

(3)سورة الصافات آية 24.


149

الخمس

وهو أيضاً من المواضيع الذي يختلف فيه الشيعة والسنة وقبل الحكم لهم أو عليهم. لا بدّ لنا من بحث موجز في موضوع الخمس: ولنبدأ بالقرآن الكريم. قال تعالى: وأعلموا إنّما غنتم من شيء فإن لله ُخمسه وللرسولِ ولذي القربى واليتامى والمساكين وأبن السبيل..(1) .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«أَمركمْ بأربع: الإيمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تؤدّي لله خُمس ما غنمتُم»(2) .

فالشيعة ـ إمتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ـ يُخرجون خمس ماحصلوا عليه من أموال طيلة سنتهم، ويفسّرون معنى الغنيمة بكل ما يكسبه الإنسان من أرباح بصفة عامّة.

أما أهل السنة والجماعة فقد أجمعوا على تخصيص الخمس بغنائم الحرب

(1) سورة الأنفال آية 41.

(2) صحيح البخاري 4 /44.


150

فقط، وفسّروا قوله سبحانه وتعالى: وإعلموا إنّ ما غنمتم من شيء يعني ما حصّلتم خلال الحرب.

هذه خلاصة أقوال الفريقين في الخمس، وقد كتب علماء الفريقين في المسألة.

ولستُ أدري كيف أُقنِع نفسي أو غيري بآراء أهل السنة التي إعتمدتْ على ما أظنّ أقوال الحكّام من بني أمية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي إستأثر بأموال المسلمين وخص نفسه وحاشيته بكل صفراء وبيضاء.

فلا غرابة في تأويلهم لآية الخمس على إنها خاصّة بدار الحرب لأن سياق الآية الكريمة جاء ضمن آيات الحرب والقتال، وكم له من تأويل للآيات على سياق ماقبلها أو مابعدها.

فهم يؤولون مثلا آية إذهاب الرجس والتطهير على إنها خاصّة بنساء النّبي لأن ماقبلها وما بعدها يتكلّم عن نساء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.

كما يؤولون قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم على إنها خاصّة في أهل الكتاب

وقصة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع معاوية وعثمان بن عفّان ونفيه الى الربذة من أجل ذلك مشهورة. إذ إنه عاب عليهم كنزهم الذهب والفضّة وكان يحُتج بهذه الآية عليهم ـ ولكنّ عثمان إستشار كعب الأحبار عنها فقال له بأنها خاصّة بأهل الكتاب، فشتمه أبو ذر الغفاري وقال له: ثكلتك أمّك يا إبن اليهوديّة أَوَ تُعلّمنا ديننا ؟ فغضب لذلك عثمان، ثم نفاه الى الربذة بعدما تعاظم إنزعاجه منه فمات هناك وحيداً طريداً لم تجد إبنته حتّى من يغسّله ويكفنّه.

وأهل السنّة والجماعة لهم في تأويل الآيات القرآنية والأحاديث النّبوية فنٌ معروف وفقهٌ مشهورٌ وذلك إقتداءً بما تأوّله الخلفاء الأوّلون والصحابة المشهورون


151

في خصوص النصوص الصريحة من الكتاب والسنة(1) .

ولو أردنا إستقصاء ذلك لأستوجب كتاباً خاصاً، ويكفي الباحث أن يرجع إلى كتاب «النّص والإجتهاد» ليعرف كيف يتلاعب المتأولون بأحكام الله سبحانه.

وأنا كباحث ليس لي أن أتأوّل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حسبَ ما أهوى أو حسب مايُمليه عليَّ المذهبْ الذي أميلُ إليه.

ولكّن ماحيلتي إذا كان أهل السنّة والجماعة هم الذين أخرجوا في صحاحهم فرض الخمس في غير دار الحرب، وناقضوا في ذلك تأويلهم ومذهبهم.

فقد جاء في صحيح البخاري في باب «في الرّكاز الخُمس» وقال مالك وإبن إدريس الركازُ دفنُ الجاهلية في قليله وكثيره الخُمس، وليس المعدنُ بركاز وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «في المعدن جبارٌ وفي الرّكاز الخُمس»(2) وجاء في باب مايُستخرج ُمن البحرِ: وقال إبن عباس رضي الله عنهما ليس العنبرُ بركازٍ هو شيء دَسرهُ البحرُ وقال الحسنُ في العنْبرِ واللؤلؤ الخمس فإنّما جَعلَ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في الرّكاز الخمس ليس في الذي يصابُ في الماء(3) .

والباحثُ يفهم من خلال هذه الأحاديث بأن مفهوم الغنيمة التي أوجب الله فيها الخمس لا تختصّ بدار الحرب لأنّ ألرّكاز الذي هو كنزٌ يستخرج من باطن الأرض وهو ملك لمن إستخرجه، ولكن يجب عليه دفع الخمس منه لأنّهُ غنيمة. كما إن الذي يستخرج العنبر واللؤلؤ من البحرِ يَجبْ عليه إخراج الخمس لأنه

(1) جمع الإمام شرف الدين في كتابه النص والإإجتهاد أكثر من مائة مورد تأولوا فيها النصوص الصريحة فعلى الباحثين قراءة هذا الكتاب لأنه ماجمع إلا ما أخرجوه علماء السنة معترفين بصحته.

(2) صحيح البخاري 2 /137 «باب في الركاز الخمس».

(3) صحيح البخاري 2 /136 «باب مايستخرج من البحرِ».


152

غنيمة.

وبما أخرجه البخاري في صحيحه يتبين لنا أن الخُمسْ لا يختص بغنائمِ الحرب.

فرأيُ الشيعة يبقى دائماً مصداقُ الحقيقة التي لا تناقضُ فيها ولا إختلاف وذلك لأنهم يرجعون في كل أحكامهم وعقائدهم الى أئمة الهدى الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين هم عدلُ الكتاب لا يَضْلّ من تمسّكَ بهم ويأمن من لجأ اليهم.

على أنه لا يمكن لنا أن نعتمدَ على الحروب لإقامة دولة الإسلام. وذلك يخالف سماحة الإسلام ودعوته للسّلم فالإسلام ليس دولة إستعمارية تقوم علىإستغلال الشعوب. ونهب خيراتها وهو ما يحاول الغربيون إلصاقه بنا عندما يتكلّمون عن نبي الإسلام بكل إزدراء ويقولون بأنه توسّع بالقوّة والقهر وبالسيف لإستغلال الشعوب.

وبما أن المال هو عصب الحياة وخصوصاً إذا كانت نظرية الإقتصاد الإسلامي تقتضي إيجاد مايسمّى اليوم بالضّمان الإجتماعي لنضمن للمعوزين والعاجزين معاشهم بكرامةٍ وشهامة.

فلا يُمْكنْ لدولة الإسلام أن تعتمد على مايخرجه أهل السنة والجماعة من الزكاة وهي تمثل في أحسن الأحوال أثنين ونصف بالمائة وهي نسبة ضعيفة لا تقوم بحاجة الدّولة من إعداد القوّة ومن بناء المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرقات فضلاً عن أن تضمن لكل فردٍ دخلاً يكفي معاشَه ويضمن حياته، كما لا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على الحروب الدامية وقتال الناس لتضمن بقاءها وتطور مؤسساتها على حساب المقتولين الذين لم يرغبوا في الإسلام.

فأئمة أهل البيت سلام الله عليهم كانوا أعلم بمقاصد القرآن، كيف لا وهم ترجمانه، وكانوا يرسمون للدولة الإسلامية معالم الإقتصاد، ومعالم الإجتماع، لو كان لهم رأيٌ يطاع.


153

ولكن للأسف الشديد كانت السلطة والقيادة في يد غيرهم الذين إغتصبوا الخلافة بالقوّة والقهر وبقتل الصلحاء من الصحابة وإغتيالهم كما فعل ذلك معاوية، وبدّلوا أحكام الله بما إقتضته مصالحهم السياسية والدنيوية فَضلّوا وأضلّوا وتركوا هذه الأمة تحت الحضيض لم تقم لها قائمة حتّى يومنا هذا.

فبقيت تعاليم أهل البيت مجرّد أفكار ونظريات يؤمن بها الشيعة ولم يجدوا لتطبيقها من سبيل إذ إنّهم كانوا مطاردين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد تتّبعهم الأمويون والعبّاسيون عَبرَ العصور.

وما إن إنقرضت الدولتان وأوجد الشيعة مجتمعاً عملوا بأداء الخُمسْ الذي كانوا يؤدّونه للأئمة سلام الله عليهم خُفية، وهم الآن يؤدّونه الى المرجع الذي يقلّدونه، نيابة عن الإمام المهدي عليه السلام، وهؤلاء يقومون بصرفه في أبوابه المشروعة، من تأسيس حوزات علمية، ومبرّات خيرية ومكتبات عمومية، ودور أيتام وغير ذلك من أعمال جليلة كدفع رواتب شهرية لطلبة العلوم الدينية والعلمية وغيرها.

ويكفينا أن نستنتج من هذا أن علماء الشيعة مستقلون عن السلطة الحاكمة، لأن الخمس يفي بحاجاتهم ويقومون بإعطاء كل ذي حق حقّه.

أمّا علماء أهل السنّة والجماعة فهم عالة على الحكّام وموظفون لدى السّلطة الحاكمة في البلاد، وللحاكم أن يقرّب من شاء منهم أو يبعّد حسب تعامله معه وإفتائهم لمصالحه. فأصبح العَالِمُ بذلك أقرب الى الحاكم منه الى مجرد عَالِمْ !، وهو بعض الآثار الوخيمة التي ترتبت على ترك العمل بفريضة الخُمسْ بمعناها الذي فهمه أهل البيت عليهم السلام.


154

التقليد

يقول الشيعة: أمّا فروع الدّين وهي أحكام الشريعة المتعلّقة بالأعمال العبادية: كالصلاة والصيام، والزكاة والحج فالواجب في أحكامها أحد الأمور الثلاثة:

أ ـ أن يجتهد وينظر الإنسان في أدلّة الأحكام إذا كان أهلاً لذلك.

ب ـ أو أن يحتاط في أعماله إذا كان يسعه الأحتياطْ.

ت ـ أو أن يقلّد المجتهد الجامع للشرائط، بأن يكون من يقلّده حيّاً عاقلاً، عادلاً، عالماً، صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعا لأمر مولاه.

والإجتهاد في الأحكام الفرعية واجب كفائي على جميع المسلمين فإذا نهض به من إجتمعت فيه الشروط سقط عن باقي المسلمين، فيجوز لهم تقليده والرجوع اليه في فروع دينهم، لأن رتبة الإجتهاد ليست من الأمور الميسورة ولا هي في متناول الجميع ـ بل تحتاج إلى كثير من الوقت والعلوم والمعارف والإطّلاع، وهذا لا يتهيأْ إلا لمن جَّد وكدّ وأمضى عمره في البحث والتعلم، ولا ينال الإجتهاد إلا ذو حظٌ عظيم.

قال صلى الله عليه وآله وسلم:


155

«من أراد الله به خيراً فَقّههُ في الدّينِ».

وقول الشيعة هذا لا يختلف عن قول أهل السنة والجماعة، إلا في شرط حياة المجتهد.

غير أن الخلاف الواضح بينهم هو في العمل بالتقليد إذ أن الشيعة يعتقدون بأن المجتهد الجامع للشروط المذكورة، هو نائب للإمام عليه السّلام في حال غيبته فهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس والرّادّ عليه رادّ على الإمام.

فليس المجتهد الجامع للشروط عند الشيعة مرجعا يرجع إليه في ألفْتّيا فحسب، بل إنه له الولاية العامّة على مقلّديه فيرجعون اليه في الأحكام والفصل بينهم فيما إختلفوا فيه من القضاء، ويعطونه الزكاة وخُمس أموالهم يتصرّف بها كما تفرضه عليه الشريعة نيابة عن أمام الزّمان (عليه السلام).

أما عند أهل السنة والجماعة فليس للمجتهد هذه المرتبة، ولكنّهم يرجعون في المسائل الفقهية لأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب، وهم أبو حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والمعاصرون من أهل السنة قد لا يلتزمون بتقليد واحد من هؤلاء على سبيل التعيين، فقد يأخذون بعض المسائل من أحدهم والبعض الآخر من غيره حسبما تقتضيه حاجتهم كما فعل ذلك السيد سابق الذي ألّفَ فِقْهاً مأخوذاً من الأربعة.

لأن أهل السنّة والجماعة يعتقدون بأن الرحمة في إختلافهم فللمالكي مثلاّ أن يأخذُ برأي أبي حنيفة إذا وجدَ حلاً لمشكلته قد لا يجده عند مالك.

وأضربُ لذلك مثلاً حتّى يتبينّ للقاريء فيفهم المقصود كان عندنا في تونس «في وقت المحاكم القضائية» فتاةٌ بالغة أحبّتْ رجُلاً وأرادتْ الزّواج منه، ولكنَّ أباها رفض أن يزّوُجَها من هذا الشاب لسبب «الله أعلم به» فهربت الفتاة من بيت أبيها وتزوجتْ ذلك الشّاب بدون إذنْ أبيها، ورفع الأب شكوى ضِدَّ الزواج.


156

ولّما حَضرَتْ الفتاة وزوجها لدى القاضي وسألَها عن السبب في الهروب من البيت والزواج بدون إذن وليّها قالتْ: سيدي، أنا عمري خمسة وعشرون عاماً وأحبْبتُ الزواج من هذا الرجل على سنّة الله ورسوله، ولأن أبي يريد أن يزوجني بمن أكره، فتزوجتُ على رأي أبي حنيفة الذي يعطيني حق الزواج بمن أحبّ لأنيّ بالغة.

يقول القاضي رحمة الله عليه(روى لي بنفسه هذه القصّة) «فجئنا في المسألة فوجدناها على حقّ، وأعتقد بأن أحد العلماء المطّلعين هو الذي لَقّنَها ماذا تقول» يقول هذا القاضي فرددتُ دعوة الأب وأمضيتُ الزواج فخرج الأب غَاضباً يضرب يديه على بعضها ويقول: «حَنّفَتْ الكَلْبَة» أي إن إبنته تركت مالك وإتبعتْ أبا حنيفة، وكلمة الكلبة فيها إهانة لأبنته التي قال فيما بعد بأنه يتبرّأ منها. والمسألة هي إختلاف في إجتهاد المذاهب فبينما يرى مالك إن الفتاة البكر لا يصحّ زواجها إلا بإذن ولي الأمر وحتى إذا كانت ثيبا فهو شريكها في الزواج فلا تنفرد به وحدها ولا بد من موافقته، يرى أبو حنيفة: إن البالغة بكراً كانتْ أم ثيباً، لها أن تنفرد بإختيار الزّوج وأن تنشىء العقد بنفسها.

فهذه المسألة الفقهية فرّقتْ بين الأب وإبنته حتّى تبرْأ منها وكثيراً ماكان الآباء يتبرّؤون من بناتهم لعدّة أسباب منها الهروب من البيت مع رجُلٍ تحبُّ الزواج منه ولهذا التبرء عواقب وخيمة إذ إن الأب يلجأ في أغلب الأحيان إلى حرمان إبنته من الميراث وتبقى الفتاة عدوة للأخوة الذين يتبرّؤون بدورهم من أختهم التي جلبت لهم العار.

فليس القضية إذن كما يقول أهل السنة بأن في إختلافهم رحمة ـ أو على الأقل ليست الرحمة في كل القضايا الخلافية.

ويبقى بعد هذا خلاف آخر بينهما ألا وهو تقليّد الميت، فأهل السنة يقلّدون أئمةً ماتوا منذ قرون، وأغلق عندهم باب ألإجتهاد من ذلك العهد، وكلّ من جاء بعدهم من العلماء إقتصروا على الشروح والمدوّنات شعراً ونثراً لفِقْه المذاهب الأربعة وقد تعالت أصوات المنادين من بعض المعاصرين بِفْتحْ الباب


157

والرجوع للإجتهاد لم تقتضيه مصلحة الزّمان ولما إستجدّ من أمور كانت مجهولة في زمن الأئمة الأربعة.

أمّا الشيعة فلا يجوّزون تقليد الميّت ويرجعون في كل أحكامهم إلى المجتهد الحي الجامع للشروط التي ذكرناها سابقاً وذلك بعد غيبة الإمام المعصوم والذي كلّفهم بالرجوع الى العلماء العدول في زمن غيبته وحتّى ظهوره.

فالسنّي المالكي مثلاً يقول: هذا حلال وهذا حرام على قول الإمام مالك. وهو ميّت منذ أكثر من إثنى عشر قرناً، وكذلك يقول السنّي الحنفي والشافعي والحنبلي لأن الأئمة عاشوا في عصر واحد وتتلمذ بعضهم على بعض.

كما لا يعتقد السنّي في عِصْمة هؤلاء الأئمة الذين لم يدّعوها لأنفسهم بل جوّزوا عليهم الخط والصواب ويقولون بأنهم مأجورون في كل إجتهاداتهم فلهم أجران إن أصابوا ولهم أجرٌ واحد إذا أخطأوا.

والشيعي الإمامي مثلاً عنده مرحلتان في التقليد.

المرحلة الأولى: وهي زمن الأئمة الإثنى عشر وقد إمتدّتْ هذه المرحلة ثلاثة قرون ونصف تقريباً، وفيها كان الشيعي يقلّد الإمام المعصوم الذي لا يقول برأيه وإجتهاده، وإنما بعلم وروايات توارثها عن جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فيقول في المسألة: روى أبي عن جدّي عن جبرئيل عن الله عَزَّ وَجلّ.

المرحلة الثانية: وهي زمن الغيبة التي إمتدّت حتى اليوم فالشيعي يقول هذا حلال وهذا حرام على رأي السيد الخوئي أو السيد الخميني مثلاً. وكلاهما حيّ ورأيهما لا يتعدّى الإجتهاد في إستنباط ألأحكام من نصوص القرآن والسنة على روايات أئمة أهل البيت أولاً ثم الصحابة العدول ثانياً وهم عندما يبحثون في روايات أئمة اهل البيت بالدرجة الأولى ذلك لأن هؤلاء الأئمة يرفضون إستعمال الرأي في الشريعة ويقولون: ما من شيء إلا ولله فيه حكم، فإذا ما فقدنا حكما في مسألة ما فليس ذلك يعني أن الله سبحانه أهمله، ولكن قُصُورِنا وجَهْلِنا لم يصلا بنا الى معرفة الحكم ـ فالجهل بالشيء وعدم معرفته ليس دليلا على عدمه ـ


158

والدّليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى وما فرّطنا في الكتاب من شيء (1) .

(1) سورة الأنعام آية 38.


159

العقائد التي يُشنّعْ بها أهل السنة على الشيعة

ومن العقائد التي يُشّنعْ بها أهل السنة على الشيعة ما هو من محض التعّب المقيت الذي أولده الأمويّون والعبّاسيون في صدر الإسلام، بما كانوا يحقدون على الإمام علي ويبغضونه حتّى لعنوه على المنابر أربعين عاماً.

فلا غرابة أنْ يشتموا كل من تَشيّعَ له ويرموه بكل عار وشنار حتى وصل الأمر بهم أن يقال لأحدهم يهودي أحب من أن يقال له شيعي. ودأَب أتباعهم على ذلك في كل عصر ومصر وأصبح الشيعي مسبّة عند أهل السنة والجماعة لأنّه يخالفهم في معتقداتهم وخارج عن جماعتهم، فهم يقذفونه بما شاؤوا ويرمونه بكل التّهم وينبزونه بشتّى الألقاب، ويخالفونه في كل أقواله وأفعاله.

ألا ترى بأنّ بعض علماء أهل السنة المشهورين يقولون: «بأن لبس الخاتم في اليد اليمنى هو سنّة نبوية، ولكن يجبُ تركُهَا لأن الشيعة إتخذوا ذلك شعاراً لهم(1) .

(1) مصنّف «الهداية» أخرجه الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار بأن أول من تختّم باليسار خلاف السنة النبوية هو معاوية بن أبي سفيان.


160

وهذا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يقول: إن تسطيح القبور هو المشروع في الدّين لكن لّما جعلته الرافضة شعاراً لهم عدلنا عنه الى التسنيم.

وهذا إبن تيمة الموصوف بالمصلح المجدد عند بعضهم يقول: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء الى ترك بعض المستحبّات إذ صارت شعاراً لهم. أى للشيعة ـ فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السني من الرّافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب(1) .

وقال الحافظ العراقي عندما تساءل عن كيفية إسدال العمامة: لم أرَ مايدلّ على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير نبوته فلعلّه كان يرخيها من الجانب الأيمن ثم يردّها الى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم، إلا إنه صارَ شعاراً للإماميّة فينبغي تجنّبه لترك التشبّه بهم(2) .

سبحان الله ! ولا حول ولا قوّة إلا بالله ! إنظر أخي القاريء الى هذا التعصّب الأعمى كيف يُجيز لهؤلاء «العلماء» أن يخالفوا سنة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأن الشيعة تمسّكتْ بتلك السنن حتّى صارت شعاراً لهم، ثم هم لا يتحرجون من الإعتراف بذلك صراحة، وأنا أقول الحمد لله الذي أظهر الحقّ لذي عينين ولكل مخلص يبحث عن الحقيقة، الحمد لله الذي أظهر لنا بأن الشيعة هُمُ الذين يتبعون سنة رسول الله وذلك بشهادتكم أنْتُم !كما شهدتم على أنفسكم بأنّكم تركتُم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمدا لتخالفوا بذلك أئمة أهل البيت وشيعتهم المخلصين وإتبعتم سنة معاوية بن أبي سفيان كما شهد بذلك الإمام الزمخشري عندما أثبت إن أول من تختم باليسار خلاف السنة النبوية هو معاوية بن أبي سفيان(3) .

(1) منهاج السنة لإبن تيمة 2 /143 (التشبه بالروافض).

(2) شرح المواهب للزرقاني 5 /13.

(4) الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار.


161

وإتبعتُم سنّة عمر في بدعته للتراويح خِلافاً للسنّةِ النبوية التي أَمَرتُ المسلمين بصلاة النافلة في بيوتهم فُرادي لا جماعة كما أثبت ذلك البخاريُ في صحيحه(1) وكما إعترف عمر نفسه بأنها بدعة(2) إبتدعها مع إنه لَّم يصلها لأنّه لا يؤمن بها، فقد جاء في البخاري عن عبدالرحمن بن عبدالقاريّ أنه قال خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان الى المسجد فإذا النّاسُ أوزاعٍ متفرّقون يصلّي الرجلُ لنفسه ويصلّي الرجلُ فيُصَلَّي بصلاته الرّهطُ فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قاريء واحدٍ لكان أمثلْ، ثم عَزمَ فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمرُ نعم البدعةُ هذه …(3)

ومن المستغرب عدها نعمة بعد نهي الرسول عنها ؟ وذلك عندما رفعوا أصواتهم وَحَصّبوا بابَهُ ليصلّي بهم نافلة رمضان، فخرج اليهم مغضباً فقال لهم صلّى الله عليه وآله وسلم:.

«مازال بكم صنيعكم حتّى ظننتُ إنّه سيكتَبُ عليكم، فعليكم في الصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»(4) .

كما إتّبعتم سنّة عثمان بن عفّان وهي لإتمام صلاة السفر خلافاً لسنة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم التي صلاّها قصراً(5) .

ولو أردت أن أحصي ما خالفتُم به سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأستوجب ذلك كتاباً خاصاً ولكن تكفي شهادتكم في ما أقررتم به على أنفسكم ـ وتكفي شهادتكم أيضاً بإقراركم بأنّ الشيعة الروافض هم الذين إتّخذوا سنة النبي شعاراً لهم.

(1) صحيح البخاري 7 /99 (باب ما يجوز من الغصب والشدة لأمر الله عزّ وَجلّ).

(2، 3) صحيح البخاري 2 /252 (كتاب صلاة التراويح).

(4) صحيح البخاري 7 /99 (باب مايجوز من الغصب والشدة لأمر الله عزّ وَجلّ).

(5)صحيح البخاري 2 /35 وكذلك تأولت عائشة فصلت أربعا ص 36.


162

أفبعد هذا يبقى دليل على قول الجهلة الذين يدّعون بأن الشيعة إتّبعوا علي بن أبي طالب، أمّا أهل السنة فإنهم إتّبعوا رسول الله ؟ أيريد هؤلاء أن يثبتوا بأن عليّاً خالفَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإبتدع ديناً جديداً ؟ كبُرت كلمة تخرجُ من أفواههم، فعلي هو محض السنة النبوية وهو مفسّرُها والقائم عليها لقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«علي منّي بمنزلتي من ربّي»(1) .

أي كما إن محمد هو الوحيد الذي يُبلّغُ عن ربّه، فعليٌ هو الوحيد الذي يبلّغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكنّ ذنب علي هو إنّه لم يعترف بخلافة من قبله وذنبُ شيعته إنهم إتّبعوه في ذلك فرفضوا أن ينْضَوُوا تحت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ولذلك سمّوهم «الروافض».

فإذا أنكر هؤلاء السنة على معتقدات الشيعة وأقوالهم فهو لسببين، أوّلها العداء الذي أجج ناره حكام بني أميّة بالأكاذيب والدعايات وإختلاف الروايات المزوّرة.

وثانيهما: لأن معتقدات الشيعة تتنافى وما ذهبوا اليه من تأييد الخلفاء وتصحيح أخطائهم وإجتهاداتهم مقابل النصوص خصوصاً حكّام بني أميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.

ومن هنا يجد الباحث المتتبَع إن الخلاف بين الشيعة وأهل السنة نشأ يوم السقيفة، وتفاقم، وكل خلاف جاء بعده فهو عَيّالٌ عليه، وأكبر دليل على ذلك أن العقائد التي يُشنّع أهل السنة على إخوانهم من الشيعة، ترتبط إرتباطاً وثيقاً بموضوع الخلافة وتتفرع منه، كعدد الأئمة والنّص على الإمام، والعصمة، وعلم الأئمة، والبداء، والتقية والمهدي المنتظر وغير ذلك.

(1) الصواعق المحرقة لإبن حجر ص 106 ـ ذخائر العقبى ص 64

الرياض النضرة 2 /215 ـ إحقاق الحق 7 /217


163

ونحن إذا بحثنا في أقوال الطرفين مجرّدين من العاطفة فسوف لا نجد بُعداً شاسعاً بين معتقداتهم، ولا نجدُ مُبرّراً لهذا التهويل وهذا التشنيع، لأنّك عندما تقرأ كتب السنة الذي يشتمون الشيعة، يخيّل اليك بأن الشيعة نَاقَضّوا الإسلام وخالفوه في مبادئه وتشريعه، وإبتدعوا ديناً آخر.

بينما يجد الباحث المنصف في كل عقائد الشيعة أصْلاً ثابتاً في القرآن والسنة وحتّى في كتب من يُخالفهم في تلك العقائد ويُشنّع بِها عليهم.

ثم ليس هناك في تلك العقائد مايخالف العقلَ أو النّقل أو الأخلاق ـ وليتبَينّ لك أيها القاريء اللبيب صحّة ما أدّعيه سأستعرض معك تلك العقائد.


164


165

العصمة

يقول الشيعة: ونعتقدُ إن الإمام كالنّبي يجبُ أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سنّ الطفولة الى الموت، عمداً وسهواً.

كما يجبُ أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوّامين عليه حالهم في ذلك حال النّبي والدليل الذي إقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق(1) .

نعم هذا كما نرى هو رأي الشيعة في موضوع العصمة فهل فيه ما ينافي القرآن والسنة ؟ أو مايقول العقل بإستحالته ؟ أو مايشين الإسلام ويُسيء اليه، أو ما يُنقصُ قدر النبي أو الإمام ؟

حاشا وكلاّ. لم نجد في هذا القول إلا التأييد لكتاب الله وسنّة نبّيه، وما يتماشى مع العقل السليم ولايناقضه، وما يرفع من قيمة النّبي والإمام ويشرفه.

ولنبدأ بحثنا في إستقراء القرآن الكريم.

(1) عقائد الإمامية ص 67 العقيدة رقم 24.


166

قال تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجسْ أهل البيت ويطهركم تطهيراً.. (1) .

فإذا كان إذهاب الرجس الذي يشمل كل الخبائث والتطهير من كل الذنوب، لا يفيد العصمة، فما هو المعنى إذاً ؟؟

يقول الله تعالى:

إنّ الذين إتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكرّوا فإذا هم مبصرون (2) . فإذا كان المؤمن التّقي يعصمه الله من مكايد الشيطان إذا حاول إستفزازه وإضلاله، فيتذكّر ويبصر الحقّ فيتّبعه، فما بالك بمن إصطفاهم الله سبحانه وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. ؟

ويقول تعالى:

ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا (3) والذي يصطفيه الله سبحانه يكون بلا شك معصوماً من الخطأ وهذه الآية بالذات هي التي إحتجّ بها الإمام الرضا من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على العلماء الذين جمعهم الخليفة العبّاسي المأمون إبن هارون الرشيد وأثبت لهم بأنّهم (أي أئمة أهل البيت) هم المقصودون بهذه الآية وبأن الله إصطفاهم وأورثهم علم الكتاب، وإعترفوا له بذلك(4) .

هذه بعض الأمثلة مّما جاء في القرآن الكريم وهناك آياتٌ أخرى تفيد العصمة للأئمة كقوله أئمة يهدون بأمرنا وغيرها ولكن نكتفي بهذا القدر روماً للإختصار دائماً.

(1) سورة الأحزاب آية 33.

(2) سورة الأعراف آية 201.

(3) سورة فاطر آية 32.

(4)العقد الفريد لإبن عبد ربه 3 /42.


167

وبعد القرآن الكريم فإليك ماورد في السنّة النبوية

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم:

«يا أيها النّاس إني تارك فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا كتَاب الله وعترتي أهل بيتي»(1) .

وهو كما ترى صريحٌ بأنّ الأئمة من أهل البيت معصومون أولاً لأن كتَاب الله معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو كلام الله، ومن شك فيه كفر.

ثانياً: لأن المتمسّك بهما «الكتاب والعترة» يأمنُ من الضلالة فدّلَ هذا الحديث على إن الكتاب والعترة لا يجوز فيهما الخطأ.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«إ نّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(2) .

وهو كما ترى صريح في أن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام معصومون، عن الخطأ ولذلك يأمل وينجوا كل من ركب سفينتهم وكل من تأخر عن ركوب سفينتهم غرق في الضلالة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«من أحَبّ أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنّة التي وعدني ربي، وهي

(1) صحيح الترمذي 5 /328.

الحاكم في المستدرك3 /148.

الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 5 /189.

(2) مستدرك الحاكم 2 /343.

كنز العمال 5 /95.

الصواعق المحرقة لإبن حجر ص 184.


168

جنّة الخلد، فليتولّ علياّ وذريته من بعده فإنهم لم يخرجوكم باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة»(1) .

وهو كما ترى صريح في أن الأئمة من أهل البيت وهم علي وذريته معصومون عن الخطأ لأنهم لن يُدخلوا الإسلام الذين يتبّعوهم في باب ضلالة، ومن البديهي إن الذي يجوز عليه الخطأ لا يمكنُ له هداية النّاس.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«أنا المنذرُ وعليٌّ الهادي، وبك ياعلي يهتدي المهتدون من بعدي»(2) .

وهذا الحديث هو الآخر صريح في عصمة الإمام كما لايخفى على أولي الألباب.

والإمام علي نفسه أثبت العصمة لنفسه وللإمة من ولده عندما قال: «فإين تذهبون وأنّى تؤفكون ؟ والأعلام قائمةُ والآياتُ واضحةٌ، والمنار منصوبةٌ فأين يُتاه بكم، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم وهم أئمة الحق، وأعلام الدّين، وألْسنةُ الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش، أيها النّاس خذوها من خاتم النبيّين صلّى الله عليه وآله وسلم إنه يموت

(1) كنز العمال 6 /155. ومجمع الزوائد للهيثمي 9 /108.

الإصابة لإبن حجر العسقلاني ـ الطبراني في الجامع الكبير. تاريخ إبن عساكر 2 /99.

مستدرك الحاكم 3 /128 حلية الأولياء 4 /349 ـ إحقاق الحق 5 /108.

(2) تفسير الطبري 13 /108 تفسير الرازي 5 /271 تفسير إبن كثير 2 /502.

(3) تفسير الشوكاني 3 /70 تفسير السيوطي الدر المنثور 4 /45 نور الأبصار ص 71.

(4) مستدرك الحاكم 3 /129 تفسير إبن الجوزي 4 /307.شواهد التنزيل 1 /293 الفصول المهمة ـ ينابيع المودة.


169

من ماتَ منّا وليس بميّتٍ، ويبلى منّا بلي منا وليس ببالٍ، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحقّ فيما تنكرون، وإعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزتُ فيكم راية الإيمان …»(1) .

وبعد هذا البيان من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأقوال الإمام علي الدالة كلها على عصمتهم سلام الله عليهم.

هل يرفض العقلُ عصمة من يصطفيه الله سبحانه للهداية ؟ والجواب: كلاَّ لا يرفض ذلك، بالعكس، العقل يقول: بوجوب تلك العصمة، لأن من توكَلُ اليه مهمّة القيادة وهداية البشرية لا يمكنُ أن يكون إنساناً عادياً يعتريه الخطأ والنسيان وتُثقل ظهره الذنوب والأوزار فيكون عُرضة لإنتقاص النّاس ونقدهم.

بل العقل يفرض أن يكون أعلم الناس في زمانه وأعدلهم وأشجعهم وأتقاهم، وهي صفاتٌ ترفَعُ من شأن القائد وتُعظّيمه في أعين الناس وتجلب له إحترام الجميع وتقديرهم وبالتالي طاعتهم له بدون تحفّظ ولا تملّق.

وإذا كان الأمر كذلك، لماذا كل هذا التشنيع والتهويل على من يعتقد بذلك ؟

ويخيّلُ إليك وأنت تسمع وتقرأ إنتقاد أهل السنة على موضوع العصمة بأن الشيعة، هم الّذين يقلّدون وسام العصمة لمن أحبّوا، أو إن القائل بالعصمة يكون مُنكراّ وكفراً، فلا هذا ولا ذاك، إنّما العصمة عند الشيعة هي أن يكون المعصوم مُحاطاً بعناية إلهية ورعاية ربّانية فلا يتمكّن الشيطان من إغوائه، ولا تتمكّن النفس الأمارة بالسوء من التغلّب على عقله فتجرّه للمعصية وهذا الأمر لم

(1) نهج البلاغة للإمام علي 1 /155.

وقد علق الشيخ محمد عبده في شرحه لهذه الخطبة بقوله: إنه يموت الميت من أئمة أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميت. لبقاء روحه ساطعة النور في عالم الظهور.


170

يحرم الله منه عباده المتّقين كما تقدم في آية الذين إتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون .

وهذه العصمة الموقوتة لعباد الله في حالة معينّة، قد تزول لفقد سببها إلا وهي التقوى، فالعبد إذَا كان بعيدا عن تقوى الله لا يعصمه الله، أما الإمام الذي إصطفاه الله سبحانه فلا يحيد ولا يتزحزح عن التقوى وخشية الله سبحانه وتعالى.

وقد جاء في القرآن الحكيم حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام ولقد همّتْ به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه، كذلك لنصرف عنه السّوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (1) .

ولأن سيدنا يوسف لم يهم بالزنا كما فسّره بعض المفسّرين فحاشا أنبياء الله من هذا الفعل القبيح، ولكنّه همّ بدفعها وضربها إذا إقتضت الحال ولكنّ الله سبحانه عصمه من إرتكاب مثل هذا الخطأ لأنّه لو فعله لكان سبباً في إتهامه بالفاحة وتكون حجّتها قويّة ضدّه فيلحقه منهم عند ذلك السوء.

(1)سورة يوسف آية 24.


171

عدد الأئمة (الإثني عشر)

يقول الشيعة بأنّ عدد الأئمة المعصومين بعد النّبي صلى الله عليه وآله وسلم هو إثنى عشر إماماً لا يزيدون ولا ينقصون، وقد ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم وعددهم(1) وهم:

1 ـ الإمام علي بن أبي طالب.

2 ـ الإمام الحسن بن علي.

3 ـ الإمام الحسين بن علي.

4 ـ الإمام علي بن الحسين (زين العابدين).

5 ـ الإمام محمد بن علي (الباقر).

6 ـ الإمام جعفر بن محمد (الصادق)

7 ـ الإمام موسى بن جعفر (الكاظم)

8 ـ الإمام علي بن موسى (الرضا)

9 ـ الإمام محمد بن علي (الجواد)

10 ـ الإمام علي بن محمد (الهادي)

(1) ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ص 99 الجزء الثالث.


172

11 ـ الإمام الحسن بن علي (العسكري).

12 ـ الإمام محمد بن الحسن (المهدي المنتظر).

فهؤلاء هم الأئمة الأثنى عشر الذين تقول الشيعة بعصمتهم، حتّى لا ينطلي المكر على بعض المسلمين.

فالشيعة لا يعترفون قديماً ولا حديثاً بالعصمة إلا لهؤلاء الأئمة الذين سمّاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يولدوا بعدُ، وقد أخرج بعض علماء السنّة أسماءهم كما مرّ علينا وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الأئمة بعددهم وهم إثنى عشر كلّهم من قريش(1) .

وهذه الأحاديث لا تصحّ ولا تستقيم إلا إذا فسّرناها على أئمة أهل البيت الذين تقول بهم الشيعة الإمامية وأهل السنّة والجماعة هم المطالبونَ بحلّ هذا اللّغز إذْ أنّ عدد الأئمة الأثني عشر الذي أخرجوه في صحاحهم بقيَ حتّى الآن لُغزاً لا يجدون له جواباً.

(1) صحيح البخاري 8 /127.

صحيح مسلم 6 /3.


173

علم الأئمة

ومّما يشنّع به أهل السنّة والجماعة على الشيعة قولهم: بأنّ الأئمة من أهل البيت سلام الله عليهم قد خصّهم الله سبحانه بعلم لم يشاركهم فيه أحد من النّاس، ومن أن الإمام يكون أعلم أهل زمانه فلا يمكن أن يسأله أحد فيعجز عن الجواب !.

فهل لهذا الإدّعاء من دليل ؟

ولنبدأ كما هي عادتنا في كل بحث في القرآن الكريم.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:

ثم أورثنا الكتاب الذين إصطفينا من عبادنا (1) فالآية تدّل دلالة واضحة بأن الله سبحانه إصطفى عباداً من بين النّاس وأورثهم علم الكتاب، فهل لنا أن نعرف هؤلاء العباد المصطفين ؟

ذكرنا فيما تقدّم بأن الإمام الثامن من أئمة أهل البيت علي بن موسى الرضا أستدلّ بنزول هذه الآية فيهم، وذلك لّما جمع له المأمون أربعين قاضياً من

(1) سورة فاطر آية 32.


174

مشاهير القُضاة، وأعدّ له كل واحد منهم أربعين مسألة، فأجاب عليها وأفحمهم وأقرُّوا له بالأعلمية(1) .

وإذا كان هذا الإمامُ الثامن ولّما يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً عندما وقعتْ هذه المحاورة بينه وبين الفقهاء الذين أقرّوا له بالأعلمية فكيف يستغربُ بعدها قول الشيعة بأعلميّتهم مادام أن علماء السنّة وأئمتهم يعترفون لهم بذلك.

أمّا إذا أردنا تفسير القرآن بالقرآن فسوف نجد العديد من الآيات ترمي الى معنى واحد وتبينّ بإنّه سبحانه ولحكمة بالغة إختصّ الأئمة من أهل البيت النبوي بعلمٍ من لَدُنْه موهوب حتّى يكونوا أئمة الهدى ومصابيح الدّجى.

قال تعالى: يؤتِ الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولُي الألباب (2) .

وقال أيضاً: فلا أُقسم بمواقع النّجوم، وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم، إنّه لقرآنٌ كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المطهّرون (3) .

أقسمَ سبحانه في هذه الآية بقسم عظيم بأنّ القرآن الكريم له أسرار ومعاني باطنة مكنونة، لا يدرك معانيها وحقائقها إلا المطهّرون، وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجْس وطهّرهم تطهيراً.

دلّت الآية أيضا على أن للقرآن باطناً إتخص الله سبحانه به أئمة أهل البيت ولا يمكن لغيرهم معرفتها إلا عن طريقهم.

ولذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الحقيقة فقال:

«لا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم

(1) العقد الفريد لإبن عبد ربه 3 /42.

(2) سورة البقرة آية 269

(3) سورة الواقعة 75 ـ 79.


175

أعلم منكم»(1) .

وكما قال الإمام علي نفسه:

«أين الذين زعموا إنهم الرّاسخون بالعلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى … إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الّولاة من غيرهم»(2) .

وقال تعالى: فأسألوا أهل الذكر إن كنتُم لا تعلمون (3) وهذه الآية نزلت في أهل البيت (عليهم السلام)(4) .

وتفيد بأن الأمة لا بد لها من بعد فقد نبيّها أن ترجع إلى الأئمة من أهل البيت لمعرفة الحقائق، وقد رجع الصحابة رضي الله تعالى عنهم الى الإمام علي بن أبي طالب لبيين لهم ما أشكل عليهم، كما رجع النّاس على مرّ السنين الى الأئمة من أهل البيت لمعرفة الحلال والحرام ولينْهلوا من معارفهم وعلومهم وأخلاقهم.

وإذا كان أبو حنيفة يقول: لولا السنتان لهلك النعمان يقصد بذلك العامين الذين قضاهما في التعلم من الإمام جعفر الصادق.

وإذا كان الإمام مالك بن أنس يقول: مارأتْ عينٌ، ولا سمعتْ أذنٌ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً(5) .

(1)الصواعق المحرقة لإبن حجر الشافعي ص 148 ـ الدر المنثور للسيوطي 2 /60.

كنز العمال 1 /168 أسد الغابة في معرفة الصحابة 3 /137.

(2) نهج البلاغة 2 /143 شرح محمد عبده الخطبة رقم143.

(3)سورة النحل آية 43 وسورة الأنبياء آية 7.

(4)تفسير الطبري 14 /134 تفسير ابن كثير 2 /570 تفسير القرطبي 11 / 272 شواهد التنزيل للحسكاني 1 /434 ينابيع المودة إحقاق الحق للتستري 3 /482.

(5)كتاب مناقب آل أبي طالب في أحوال الإمام الصادق.


176

إذا كان الأمر كذلك بإعتراف أهل السنّة والجماعة فلماذا كل هذا التشنيع وهذا الإستنكار بعد هذه الأدلّة وبعدما أثبت تاريخ المسلمين كافّة بأن أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا أعلم أهل زمانهم، فأي غرابة في أن يخصّ الله سبحانه وتعالى أولياءه «الذين إصطفاهم» بالحكمة والعلم الذين يجعلهم قدوة المؤمنين وأئمة المسلمين.

ولو تتّبع المسلمون أدلّة بعضهم بعضاً، لأقتنعوا بقول الله ورسوله، ولكانوا أمةً واحدة يشدّ بعضها بعضاً، ولم يكن هناك إختلاف ولا مذاهب ومتعددة !

ولكم لا بدّ من كل ذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولا ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حي عن بينّة وإن الله لسميع عليم (1) .

(1)سورة الأنفال آية 42.


177

البداء

وهو أن يبدو له شيء في أمر مَا يريد فعله ثم يتغّير رأيه في ذلك الشيء فيفعل فيه غير ماعزم على فعله سابقاً.

وأمّا قول الشيعة بالبداء ونسبته إلى الله تعالى التشنيع عليهم بأنه يستوجب نسبة الجهل والنقص ألى الله سبحانه وتعالى ـ كما يريد أهل السنّة والجماعة حمله على هذا المعنى، فهذا التفسير باطل ولا تقول به الشيعة أبداً ومن ينسب ذلك إليهم فقد إفترى عليهم، وهذه أقوالهم قديماً وحديثاً تشهد لهم.

قال الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الإمامية: «والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى لأنّه من الجهل والنقص وكذلك محالٌ عليه تعالى ولا تقول به الإمامية.

قال الإمام الصادق عليه السلام: «من زعم أن الله تعالى بدا لَهُ في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم»، وقال أيضاً: «من زعم إنّ الله بدا لَهُ في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه».

إذآً فالبداء الذي تقول به الشيعة، لا يتعدّى حدود القرآن في قوله سبحانه


178

وتعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (1) .

وهذا القول يقول به أهل السنة والجماعة كما يقول به الشيعة فلماذا يشنّع على الشيعة ولا يشنّع على أهل السنة والجماعة القائلين بأن الله سبحانه يُبدّل الأحكام ويُغيرّ الآجال والأرزاق.

فقد أخرج بن مردويه وإبن عساكر عن علي رضي الله عنه أنّه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

عن هذه الآية يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لأقرنّ عينيك تفسيرها، ولأقرنّ عين أمّتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبِرّ الوالدين، وإصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السّوء».

وأخرج إبن المنذر وإبن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: لله أمرٌ في كل ليلة العاشر من أشهر الحرم، أما العاشر من رجب ففيه يمحو الله ما يشاء ويثبت.

وأخرج عبد بن حميد وإبن جرير وإبن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ إنّه قال وهو يطوف بالبيت:

«اللّهم إن كنتَ كتبت عليَّ شقاوةً أو ذنباً فأمحه، فإنك تمحو ماتشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فأجعله سعادة ومغفرة»(2) .

وأخرج البخاري في صحيحه(3) قصّة عجيبة وغريبة تحكي معراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولقاءه مع ربّه، وفيما يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

(1)سورة الرعد: آية 39.

(2) جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في التفسير المأثور 4 /661.

(3)صحيح البخاري 4 /78 (كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة).


179

«ثُمَ فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتّى جئتُ موسى، فقال: ماصنعتَ ؟ قُلتُ: فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة. قال: أنا أعلم بالنّاس منك عَالجتُ بني إسرائيل أشدّ المعالجة وإن أمّتك لا تطيق، فأرجع الى ربّك فسلْهُ، فرجعتُ فسألتُه فجعلها أربعين، ثم مثله، ثم ثلاثين ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشراً، فأتيتُ موسى فقال: مثله فجعلها خمساً، فأتيت موسى فقال: ماصنعتَ ؟ قلتُ جعلها خمساً فقال مثله قلتُ: فَسلمتُ فنوديَ أنّي قد أمضيتُ فريضتي وخَففّتُ عن عبادي وأجزي الحسنة عشراً»(1) .

وفي رواية أخرى نقلها البخاري أيضاً، وبعد مراجعة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ربّه عديد المرّات وبعد فرض الخمس صلوات، طلب موسى (عليه السلام) من محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يُراجع ربّه للتخفيف لأّن أمّته لا تطيق حَتّى خمس صلوات، ولكن محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم أجابه: قد إستحييت من رَبّي(2) .

نعم إقرأ وأعجب من هذه العقائد التي يقول بها رواة أهل السنّة والجماعة، ومع ذلك فهم يشنّعون على الشيعة أتباع أئمة أهل البيت في القول بالبداء.

وهم في هذه القصّة يعتقدون بأن الله سبحانه فرض على محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم خمسين صلاة، ثم بدا له بعد مراجعة محمد إيّاه أن جعلها أربعين، ثم بدا له بعد مراجعة ثانية أن جعلها ثلاثين، ثم بدا له بعد مراجعة ثالثة أن جعلها عشرين ثم بدا له بعد مراجعة رابعة أن جعلها عشراً، ثم بدا له بعد مراجعة خامسة أن جعلها خمساً.

وبغض النظر عن قبولنا بهذه الرواية وعدمه فإن القول بالبداء عقيدة سليمة

(1) صحيح البخاري 4 /250 (باب المعراج)

صحيح مسلم 1 /101 (باب الإسراء برسول الله وفرض الصلوات).


180

تتماشى ومفاهيم الدّين الإسلامي وروح القرآن إن الله لاَ يُغيرّ ما بقوم حتّى يُغيرّوا ما بأنفسهم ولولا إعتقادنا ـ سنة وشيعة ـ بأن الله سبحانه يبدّلُ ويُغيرّ، لما كان لصلاتنا ودعائنا من فائدة ولا تعليل ولا تفسير، كما إنّنا نؤمن جميعاً بأنّ الله سبحانه يبدّل الأحكام، وينسخ الشرائع من نبي لآخر بل وحتى في شريعة نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم هناك ناسخ ومنسوخ، فالقول بالبداء ليس كفراً ولا خروجاً على الدّين، وليس لأهل السنة أن يشنّعوا على الشيعة من أجل هذا الإعتقاد، كما إنّه ليس للشيعة أن يشنّعوا على أهل السنّة أيضاً.

والحقيقة إني أرى رواية المعراج هذه مستوجبة لسنبة الجهل الى الله عَزّ َوجَلّ، وموجبة لإنتقاص شخصية أعظم إنسان عرفه التاريخ البشري، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذ تقول الرواية بأن موسى قال لمحمّد: أنا أعلم بالنّاس منك، وتجعل هذه الرواية الفضل والمزيّة لموسى الذي لولاه لما خفّف الله عن أمّة محمد.

ولستُ أدري كيف يعلمُ موسى بأنّ أمّة محمد لا تطيق حتى خمس صلوات في حين إن الله لا يعلمُ ذلك ويكلّف عباده بما لا يطيقون فيفرض عليهم خمسين صلاة ؟ !

وهل تتصور معي أخي القاريء خمسين صلاة في اليوم الواحد، فلا شغل ولا عمل ولا دراسة ولا طلب رزق ولا سعي ولا مسؤولية، فيصبح الإنسان كالملائكة مكلّف بالصلاة والعبادة، وما عليك إلا بعملية حسابية بسيطة لتعرف كذب الرواية، فإذا ضربت عشر دقائق ـ وهو الوقت المعقول لأداء فريضة واحدة للصلاة جماعة ـ في الخمسين فسيكون الوقت المفروض بمقدار عشر ساعات، وما عليك إلا بالصبر، أو إنّك ترفض هذا الدّين الذي يكلّف أتباعه فوق ما يتحمّلون ويفرض عليهم مالا يطيقون.

فإذا كان أهل السنة والجماعة يشنّعون على الشيعة قولهم بالبداء، وإن الله سبحانه وتعالى يبدوا له فيغيّر ويبدّل كيف شاء فلماذا لا يشنّعون على أنفسهم في


181

قولهم بأنّ الله سبحانه يبدوا له فيغيّر ويبدّل الحكم خمس مرّات في فريضة واحدة وفي ليلة واحدة وهي ليلة المعراج ـ

لعن الله التعصّب الأعمى والعناد المقيت الذي يغطي الحقائق ويقلّبها ظهراً على عقب، فيتحامل المتعصّب على من يخالفه في الرأي وينكر عليه الأمور الواضحة ويقوم بالتشنيع عليه وبثّ الإشاعات ضدّه، والتهويل في أبسط القضايا، التي يقول هو بأكثر منها.

وهذا يذكّرني بما قاله سيدنا عيسى عليه السلام لليهود عندما قال لهم:

«أنتم تنظرون إلى التّبنةِ في أعين النّاس. ولا تنظرون إلى الخشبة في أعينكم».

وبالمثل القائل: «رمتني بدائها وإنسلّت» ولعلّ البعض يعترض بأنّه لم يرد لفظ البداء عند أهل السنّة وبأن هذه القصّة وإن كان معناها التغيير والتبديل في الحكم ولكن لا تقطع بأنه بدا لله فيها.

وأقول هذا لأنه كثيراً ما كنتُ أستعرض قصّة المعراج للإستدلال بها على القول بالبداء عند أهل السنة، فأعترض عليّ بعضُهم بهذا الرأي ولكنّهم سلّموا بعدها عندما أوقفتهم على رواية أخرى من صحيح البخاري تذكر البداء بلفظة صراحة لا لبس فيها.

فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع بدا لله أن يبتليهم، فبعث اليهم ملكاً فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحبّ اليك ؟ فقال لون حسن وجلد حسن، قد قذرني النّاس فمسحه فذهب عنه، فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، ثم قال له: أي المال أحبّ اليك، فقال: الإبل، فأعطي ناقة عشراء، وأتى الأقرع فقال: أي شيء، أحبّ اليك، قال: شعر حسن ويذهبُ عني هذا قد قذرني النّاس، فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً، ثم قال له: أي المال أحبّ اليك فقال: البقر، فأعطاه بقرة حاملاً، وأتى الأعمى فقال: أي شيء


182

أحب اليك قال: يرد الله بصري، فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب اليك، قال: الغنم، فأعطاه شاة ولوداً …

ثم رجعَ الملك بعدَ أن تكاثَرت عند هؤلاء الإبل والبقرَ والغنمَ حتّى أصبحَ يملك كل منهم قطيعاً فأتى الأبرصَ والأقرعَ والأعمى كلّ على صورتهِ، وطلبَ من كلِ واحدٌ منهم أن يعطيهِ مّما عندهُ فردّه الأقرع والأبرص فأرجعهما الله إلى ماكانا عليهِ، وأعطاه الأعمى فزاده الله وأبقاه مبصراً»(1)

ولهذا أقول لأخواني قول الله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسمُ الفسوقُ بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (2) .

كما أتمنّى من كل قلبي أن يثوب المسلمون إلى رشدهم وينبذُوا التعصّب ويتركوا العاطفة لتحلّ العقلُ محلّها في كلّ بحث، حتى مع أعدائهم وليتعلّموا من القرآن الكريم إسلوب البحث والنّقاش والمجادلة بالتي هي أحسن، فقد أوحى إلى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلم بأنْ يقول للمعاندين وإنّا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلال مبينُ (3) فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع من قيمة هؤلاء المشركين ويتنازل هو ليعطيهم النصف حتّى يُدلوا ببرهانهم وأدلّتهم إن كانوا صادقين ـ فأين نحن من هذا الخلق العظيم.

(1) صحيح البخاري 2 /259.

(2) سورة الحجرات آية 11.

(3)سورة سبأ آية 24


183

التقية

وكما قدّمنا بالنسبة الى القول بالبداء فإنّ التقية هي أيضاً من الأمور المستنكرة عن أهل السنّة والجماعة وهم ينبزون بها إخوانهم الشيعة ويعتبرونهم منافقين إذ يظهرون ما لا يبطنون !!

وكثيراً ماحاورْتُ البعض منهم وحاولتُ إقناعهم بأنّ التقّية ليست نفاقا ً، ولكنّهم لم يقتنعوا بل إنك تجد السّامع لهذا يشمئزّ أحياناً، ويتعجّب أحياناً أخرى، وهو يظنّ أن هذه العقائد مبتدعة في الإسلام وكأنّها من مختلقات الشيعة وبدعهم.

ولكن إذا بحث الباحث وأنصف المنصف سيجد أن هذه العقائد كلَّها من صلب الإسلام وهي وليدة القرآن الكريم والسنّة النّبوية الشريفة، بل لا تستقيم المفاهيم الإسلامية السمحاء والشريعة القويمة إلا بها.

والأمر العجيب في أهل السنّة والجماعة، أنّهم يستنكرون عقائد يقبلون بها، وكتبهم وصحاحهم ومسانيدهم مليئة بذلك وتشهد عليهم.

قاقرأ معي مايقوله أهل السنّة والجماعة في مسألة التقّية:

ـ أخرج إبن جرير وإبن أبي حاتم من طريق العوفي عن إبن عباس في قوله


184

تعالى: إلا أن تتقوا منهم ُتقاه (1) قال: التقّية باللسان، من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلّم به مخالف النّاس، وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لايضرّه، إنما التّقية باللسان(2) .

ـ وأخرج الحاكم وصحّحه، والبهيقي في سننه من طريق عطاء عن إبن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ إلا أنْ تتّقوا منهم تقاة قال: التقاة هي التكلّم باللسان والقلب مطمئن بالإيمان (3)

ـ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: التّقية جائزة إلى يوم القيامة(4) .

ـ وأخرج عبد بن أبي رجاء إنه كان يقرأ: إلا أنْ تتّقوا منهم تقيّةً (5) .

ـ وأخرج عبدالرزاق وإبن سعد وإبن جرير، وإبن أبي حاتم وإبن مردويه، وصححه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في الدّلائل: قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتّى سبّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وذكر آلهتم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ماوراءك شيء ؟ قال: شرّ، ما تركتُ حتّى نلتُ منك وذكرتُ آلهتم بخير قال: كيف تجد قلبك ؟ قال: مطمئنّ بالإيمان، قال: إن عادوا فعد، فنزلتْ إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان (6) .

ـ وأخرج إبن سعد عن محمد بن سيرين: إنّ النبي صلّى اله عليه وآله وسلّم لقي عماراً وهو يبكي، فجعل يمسحُ عن عينيه ويقول: «أخذك الكفّار فغطّوك في الماء فقلتَ كذا وكذا فإن عادوا فقل لهم ذلك»(7) .

(1) سورة آل عمران آية 28.

(2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي.

(3) سنن البيهقي ـ مستدرك الحاكم.

(4، 5) جلال الدين السيوطي في الدر المنثور 2 /176.

(6) سورة النحل آية 106.

(7)الطبقات الكبرى لإبن سعد.


185

وأخرج إبن جرير وإبن المنذر وإبن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي عن إبن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ من كفر بالله … الآية قال: أخبر الله سبحانه: أن من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضَبٌ من الله وله عذاب عظيم، فأمّا من أكره، فتكلّم بلسانه وخالفه قلبهُ بالإيمان لينجُوا بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنمّا يؤاخذ العباد بما عقدتْ عليه قُلوبهم(1) .

ـ وأخرج أبن أبي شيبة وإبن جرير وإبن المنذر وإبن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلتْ هذه الآيه في أناس من أهل مكّة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة، أن هاجروا فإنّا لا نرى إنكم منّا حتّى تهاجروا الينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين ففيهم نزلت هذه الآية إلا من أُكرهَ وقلبه مطمئن بالإيمان (2) .

ـ وأخرج البخاري في صحيحه في باب المداراة مع الناس ويذكر عن أبي الدرداء قال: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وأن قلوبنا لتلعنهم».(3) .

ـ وأخرج الحلبي في سيرته قال: لمّا فتح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مدينة خيبر، قال له حجاج بن علاط: يارسول الله إن لي بمكّة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وأنا أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلتُ منكَ، وقلتُ شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يقول مايشاء»(4) .

ـ وجاء في كتاب إحياء العلوم للإمام الغزالي قوله: «إن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان القصد سفك دم مسلم قد إختفى من ظالم فالكذب فيه واجب(5) .

(1) سنن اليهقي.

(2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي 2 /178.

(3)صحيح البخاري 7 /102.

(4)السيرة الحلبية 3 /61.

(5)إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي.


186

ـ وأخرج جلال الدين السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر. قال: «ويجوز إكل الميتة في المخمسة، وإساغة اللقمة في الخمر والتلفّظ بكلمة الكفر، ولو عمّ الحرامُ قطراً بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادراً فإنه يجوز إستعمال مايحتاج إليه».

ـ وأخرج أبو بكر الرّازي في كتابه أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى: إلا أن تتّقوا منهم تقاة قال يعني أن تخافواتلف النّفس أو بعض الأعضاء، فتتقوهم بإظهار المولاة من غير إعتقاده لها، وهذا هو ظاهر مايقتضيه اللفظ، وعليه الجمهور من أهل العلم كما جاء عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافراً ولياً في دينه، وقوله تعالى: ﴿ إلا أن تتّقوا منهم تقاة يقتضي جواز إظهار الكفر عند التقية (1) .

ـ وأخرج البخاري في صحيحه عن قتيبة بن سعيد عن سفيان عن إبن المكندر حدثه عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته إنه إستأذن على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم رجل، فقال: إئذنوا له فبئس إبن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألاَنَ له الكلام، فقلت: يارسول الله قلت ماقلت ثم أَلْنتَ له في القول ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«أي عائشة إن شرّ النّاسُ منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس إتّقاء فُحِشِه»(2) .

وهذا يكفينا دلالة بعد إستعراض ماسبق على إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بجواز التّقية إلى أبعد حدودها من إنها جائزة إلى يوم القيامة كما مر عليك ومن وجوب الكذب كما قال الغزّالي، ومن إظهار الكفر وهو مذهب الجمهور من أهل العلم كما إعترف بذلك الرّازي ومن جواز الإبتسام في الظاهر واللعن في

(1) أحكام القرآن للزّازي 2 /10.

(2) صحيح البخاري 7 /81 (باب لم يكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فاحشاً ولا متفحشاً).


187

الباطن كما إعترف بذلك البخاري ومن جواز أن يقول الإنسان مايشاء وينال من رسول الله خوفاً على ماله كما صرّح بذلك صاحب السيرة الحلبية، وأن يتكلّم بما فيه معصية الله مخافة الناس كما إعترف به السيوطي.

فلا مبرّر لأهل السنّة والجماعة في التشنيع والإنكار على الشيعة من أجل عقيدة يقولون بها هم أنفسهم ويروونها في صحاحهم ومسانيدهم بأنها جائزة بل واجبة، ولم يزد الشيعة على ماقاله أهل السنّة شيئا، سوى إنهم إشتهروا بالعمل بها أكثر من غيرهم لما لاقوه من الأمويين والعباسيين من ظلم وإضطهاد، فكان يكفي في تلك العصور أن يقال: هذا رجل يتشيع لأهل البيت ليلاقي حتفه ويُقتلُ شرّ قتلة على يد أعداء أهل البيت النّبوي.

فكان لا بدّ له من العمل بالتقيّة إقتداء بما أشار عليهم أئمة أهل البيت عليهم السلام، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق إنه قال «التقية دينيودين آبائي» وقال: «من لا تقية له لا دين له» وقد كانت التقية شعارا للأئمة أهل البيت أنفسهم دفعا للضرر عنهم وعن أتباعهم و محبيهم، وحقناً لدمائهم وإستصلاحاً لحال المسلمين الذين فُتنُوا في دينهم كما فُتنَ عمار بن ياسر رضي الله عنه وحتى أكثر.

أمّا أهل السنة والجماعة فقد كانوا بعيدين عن ذلك البلاء لأنهم كانوا في معظم عهودهم على وفاق تام مع الحكام فلم يتعرضوا لقتل ولا لنهب ولا لظلم، فكان من الطبيعي جدا أن ينكروا التقية ويشنعون على العاملين بها وقد لعب الحكام من بني أمية وبني العباس دوراً كبيراً في التشهير بالشيعة من أجل التقية.

وبما أن الله سبحانه أنزل فيها قرآناً يُتلى وأحكاماً تُقضىَ، وبما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمل هو نفسه بها كما مرّ عليك في صحيح البخاري، وإنه أجاز لعمار بن ياسر أن يسبه ويكفر إذا عاوده الكفار بالتعذيب، وبما أن علماء المسلمين أجازوا ذلك إقتداء بكتاب الله وسنة رسوله فأي تشنيع وأي إستنكار بعد هذا يصحّ أنْ يوجّه الى الشيعة ؟ !


188

وقد عمل بالتقية الصحابة الكرام في عهد الحكام الظالمين أمثال معاوية الذي كان يقتل كلّ من إمتنع عن لعن علي بن أبي طالب، وقُصة حجر بن عدي الكندي وأصحابه مشهورْة وأمثال يزيد وإبن زياد والحجّاج وعبدالملك بن مروان وأضرابهم ولو شئت جمع الشواهد على عمل الصحابة بالتقية لأستوجب كتاباً كاملاً، ولكن ماأوردته من أدلة أهل السنة والجماعة كافِِ بحمد الله.

ولا أترك هذه الفرصة تفوت لأروي قصة طريفة وقعتْ لي شخصيا مع عالم من علماء أهل السنة إلتقينا في الطائرة وكنا من المدعوّين لحضور مؤتمر إسلامي في بريطانيا وتحادثنا خلال ساعتين عن الشيعة والسنّة وكان من دعاة الوحدة وأعجبت به غير إنّه ساءني قوله بأن على الشيعة الآن أن تترك بعض المعتقدات التي تُسببُ إختلاف المسلمين والطعن على بعضهم البعض، وسألتُه مثل ماذا ؟ وأجاب على الفور: مثل المتعة والتقية، وحاولتُ جهدي إقناعه بأن المتعة هي زواج مشروع والتقية رخصة من الله، ولكنه أصرّ على رأيه ولم يقنعه قولي ولا أدلتي مدعيا إن ما أوردتُه كله صحيح ولكن يجبُ تركه من أجل مصلحة أهم إلا وهي وحدة المسلمين.

وإستغربتُ منه هذا المنطق الذي يأمرُ بترك أحكام الله من أجل وحدة المسلمين وقلتُ له مجاملة: لو توقفت وحدة المسلمين على هذا الأمر لكنت أول من أجاب.

ونزلْنا في مطار لندن وكنت أمشي خلفه ولمّا تقدمنا إلى شرطة المطار سئل عن سبب قدومه الى بريطانيا فأجابهم أنه جاء للمعالجة، وإدعيت أنا بأني جئت لزيارة بعض أصدقائي، ومررنا بسلام وبدون تعطيل الى قاعة إستلام الحقائب، عند ذلك همستُ له: أرأيت كيف أن التقية صالحة في كل زمان ؟ قال: كيف ؟ قلت لأننا كذبنا على الشرطة أنا بقولي جئت لزيارة اصدقائي وأنت بقولك جئت للعلاج، في حين إننا قدمنا للمؤتمر.

إبتسم وعرفَ بأنّه كذبَ على مسمعٍ منّي فقال: أليس في المؤتمرات الإسلامية علاج لنفوسنا ؟ ضحكت قائلا: أو ليس فيها زيارة لإخواننا ؟


189

أعود إلى الموضوع فأقول بأن التقيّة ليست كما يدعي أهل السنة ـ بأنها ضرب من النفاق، فالعكس هو الصحيح، لأن النفاق هو إظهار الإيمان وكتمان الكفر التقية هو لإظهار الكفر وكتمان الإيمان وشتان ما بين الموقفين، هذا الموقف أعني النفاق الذي قال في شأنه سبحانه وتعالى:

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون فهذا يعني إيمان ظاهر + كفر باطن ‌ نفاق.

أما الموقف الثاني أعني التقيّة التي قال في شأنها سبحانه وتعالى:

وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فهذا يعني كفرٌ ظاهر + إيمان باطن ‌ تقيّة.

فإن مؤمن من آل فرعون كان يكتم في الباطن إيمانه ولا يعلم به إلا الله ويتظاهر لفرعون وللناس جميعاً أنه على دين فرعون ـ (وقد ذكره الله في محكم كتابه تعظيما لقدرِه).

وتعال معي الآن أيها القاريء الكريم لتعرف قول الشيعة في التقيّة حتى لا تغتّر بما يقالُ فيهم كذباً وبهتاناً ـ

يقول الشيخ محمد رضا المظفّر في كتابه (عقائد الإمامية) ما هذا نصه:

«وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب إختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية، وليست بواجبة على كل حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال، كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرةً للدينِ وخدمةً للإسلامِ وجهاد في سبيله، فإنه عند ذلك يستهانُ بالأموال ولا تعزّ النفوس. وقد تُحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين أو ضرراً بالغاً على المسلمين. بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور فيهم.

وعلى كل حال ليس معنى التقية عند الإمامية إنها تجعل منهم جمعية سرية


190

لغاية الهدم والتخريب ـ كما يريد أن يصورها بعض أعدائهم غير المتورعين في إدراك الأمور على وجهها ولا يكلفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا.

كما إنه ليس معناها إنها تجعل الدين وأحكامه سراً من الأسرار لايجوز أن يذاع بمن لايدين به، كيف وكتب الإمامية ومؤلفاتهم فيما يخص الفقه والأحكام ومباحث الكلام والمعتقدات قد ملأت الخافقين وتجاوزت الحد الذي ينتظر من أي أمّة تدين بدينها». إنتهى كلامه.

وأنت ترى إنه ليس هناك نفاق ولا غش ولا دس ولا كذب ولا خداع كما يدعيه أعْداؤهم.


191

المتعة أو (الزواج المؤقت)

والمقصود بها نكاح المتعة، أو الزواج المنقطع، أو الزواج المؤقت إلى أجل مسمىوهي كالزّواج الدائم لا تصح إلا بعقد يشتمل على قبول وإيجاب، كأن تقول المرأة للرجل زوجتك نفسي بمهر قدره كذا ولمدة كذا فيقول الرجل قبلت. ولهذا الزواج شروطه المذكورة في كتب الفقه عند الإمامية كوجوب تعيين المهر والمدة، فيصح بكل مايتراضى عليه الطرفان، وكحرمة التمتع بذات محرم كما في الزواج الدائم.

وعلى المرأة المتمتع بها أن تعتد بعد إنتهاء الأجل بحيضتين وبأربعة أشهر وعشرة أيام في حالة وفاة زوجها.

وليس بين المتعين إرث ولا نفقة فلا ترثه ولا يرثها والولد من الزواج المؤقت كالولد من الزواج الدائم تماما في حقوق الميراث والنفقة وكل الحقوق الأدبية والمادية، يلحق بأبيه.

هذه هي المتعة بشروطها وحدودها وهي كما ترى ليست من السفاح في شيء كما يدعه الناس.

وأهل السنة والجماعة كإخوانهم الشيعة متفقون على تشريع هذا الزواج من الله سبحانه وتعالى في الآية 24 من سورة النساء بقوله: فما إستمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، إن


192

الله كان عليماً حكيماً .

كما أنهم متفقون في أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أذن بها وإستمتع الصحابة على عهده.

إلا إنهم يختلفون في نسخها أو عدم نسخها فأهل السنّة والجماعة يقولون بنسخها وإنها حرمت بعد أن كانت حلالا، وأن النسخ وقع بالسنّة. لا بالقرآن.

والشيعة يقولون بعدم النسخ وأنها حلال ليوم القيامة.

إذن فالبحث يتعلق فقط في نسخها أو عدمه والنظر في أقوال الفريقين حتّى يتبين للقاريء جلية الأمر وأين يوجد الحق فيتبعه بدون تعصب ولا عاطفة.

أما من ناحية الشيعة القائلين بعدم النسخ وحلّيتها إلى يوم القيامة فحجتهم هي: لم يثبت عندنا إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عنهاوأئمتنا من العترة الطاهرة يقولون بحليتها ولو كان هناك نسخ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعلمه الأئمة من أهل البيت وعلى رأسهم الإمام علي فأهل البيت أدرى بما فيه، ولكن الثابت عندنا أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو الذي نهى عنها وحرمها إجتهاداً منه كما يشهد بذلك علماء السنّة أنفسهم، ونحن لا نترك أحكام الله ورسوله لرأي وإجتهاد عمر بن الخطاب ! هذا ملخص مايقوله الشيعة في حلية المتعة، وهو قول سديد ورأي رشيد، لأن كل المسلمين مطالبون بإتباع أحكام الله ورسوله ورفض ما سواهما مهما علت مكانتهم إذا كان في أجتهاده مخالفة للنصوص القرآنية أو النبوية.

أما أهل السنة والجماعة فيقولون بأن المتعة كانت حلالا، ونزل فيها القرآن ورخص فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعلها الصحابة ثم بعد ذلك نسخت. ويختلفون في الناسخ لها. فمنهم من يقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها قبل موته، ومنهم من يقول بأن عمر بن الخطاب هو الذي حرمها، وقوله حجة عندنا لقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم:


193

«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي عِظّوا عليها بالنواجذ».

أما القائلين بتحريمها لأن عمر بن الخطاب حرمها وإن فعله سنّة ملزمة، فهؤلاء لا كلام لنا معهم ولا بحث لأنه محض التعصب والتكلف، وإلا كيف يترك المسلم قول الله وقول الرسول ويخالفهما ويتبع قول بشر مجتهد يخطيء ويصيب ـ هذا إذا كان إجتهاده في مسألة ليس فيها نص من الكتاب والسنة ـ أما إذا كان هناك نص وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً (1) .

ومن لايتفق معي على هذه القاعدة فعليه بمراجعة معلوماته في مفاهيم التشريع الإسلامي ودراسة القرآن الكريم والسنة النبوية ـ فالقرآن دل بذاته في الآية المذكورة أعلاه ومثلها في القرآن كثير يدل على كفر وضلال من لا يتمسك بالقرآن والسنة النبوية.

أما الدليل من السنة النبوية الشريفة فكثير أيضاً، ولكن نكتفي بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

«حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة».

فليس من حق أحد أن يحلل أو يحرم في مسألة ثبت فيها نص وحكم من الله أو من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولكل ذلك نقول لهؤلاء الذين يريدون إقناعنا بأن أفعال الخلفاء الراشدين وإجتهاداتهم ملزمة لنا، نقول: أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (2) .

على أن هؤلاء القائلين بهذا الدليل يوافقون الشيعة على دعواهم ويكونون حجة على إخوانهم من أهل السنة والجماعة.

(1) سورة الأحزاب آية 36.

(2) سورة البقرة آية 139.


194

فبحثنا يتعلق فقط مع الفريق القائل بأن رسول الله صلّى اله عليه وآله وسلّم هو الذي حرمها ونسخ القرآن بالحديث.

وهؤلاء مضطربون في أقوالهم وحجتهم واهية لا تقوم على أساس متين ولو روى النهي عنه مسلم في صحيحه بأنه لو كان هناك نهي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما غاب عن الصحابة الذين تمتعوا في عهد أبي بكر وشطر من عهد عمر نفسه كما روى ذلك مسلم في صحيحه(1) .

قال عطاء قدم جابر بن عبدالله معتمرا فجئنا في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة: فقال نعم إستمتعنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر ـ

فلو كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة لما جاز للصحابة أن يتمتعوا على عهد أبي بكر وعمر كما سمعت.

فالواقع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عنها ولا حرمها وإنما وقع النهي من عمر بن الخطاب كما جاء في ذلك في صحيح البخاري.

ـ عن مسدد حدثنا يحيى عن عمر إن أبي بكر حدثنا أبو رجاء عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسسلم ولم ينزل قرآنٌ يحرمه ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ماشاء قال محمد يقال أنه عمر.(2) .

فأنت ترى أيها القاريء أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لم ينه عنها حتى مات كما صرح به هذا الصحابي وتراه ينسب التحريم إلى عمر صراحة وبدون غموض ويضيف إنه قال برأيه ماشاء.

(1) صحيح مسلم 4 /158.

(2)صحيح البخاري 5 /158


195

وها هو جابر بن عبدالله الأنصاري يقول صراحة: كنّا نستمتع بالقبضة من التّمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبي بكر حتى نهى عنها عُمرُ في شأن عمرو إبن حُريث(1) .

ومّما يدلنا على إن بعض الصحابة كانوا على رأي عمر وهذا ليس غريب إذ تقدّم في بحثنا خلال رزية يوم الخميس إن بعض الصحابة كانوا على رأي عمر في قوله بأنّ رسول الله يهجر وحسبنا كتاب الله ! وإذا ساندوه في مثل ذلك الموقف الخطير بما فيه من طعن على الرسول فكيف لا يوافقه في بعض إجتهاداته، فالنستمع إلى قول أحدهم: كنتُ عند جابر بن عبدالله فأتاه آتٍ فقال: أبن عبّاس وإبن الزبير إختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم نهانا عنهما عُمرُ فلم نعدْ لهما(2) .

ولذلك أعتقد شخصيا بأن بعض الصحابة نسبَ النهيَ عن المتعة وتحريمها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتبرير موقف عمر بن الخطاب وتصويب رأيه.

وإلا فما يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحرّم ما أحلّ القرآن لأنا لا نجدُ حكما واحداً في كل الأحكام الإسلامية أحلّه الله سبحانه وحرّمه رسوله، ولا قائل بذلك إلا معانداً ومتعصباً، ولو سلمنا جدلا بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عنها فما كان للإمام على وهو أقرب الناس للنبي وأعلمهم بالأحكام أن يقول:

«إن المتعة رحمةً رحم الله به عباده. ولولا نهي عمر ما زنى إلاّ شقي»(3) .

على أنّ عمر بن الخطاب نفسه لم ينسب التحريم إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بل قال قولته المشهورة بكل صراحة:

(1) صحيح مسلم 4 /131.

(2) صحيح مسلم 4 /131

(3) الثعلبي في التفسير الكبير والطبري عند تفسير آية المتعة في تفسيره الكبير أيضاً


196

«متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة الحجّ ومتعة النّساء»(1) .

وهذا مسند الإمام أحمد بن حنبل خير شاهد على أنّ أهل السنّة والجماعة مختلفون في هذه المسألة إختلافاً كبيراً فمنهم من يتبع قول الرسول فيحللّها، ومنهم من يتبع قول عمر بن الخطاب فيحرمه، أخرج الإمام أحمد: ـ

عن إبن عباس قال: تمتع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال عروة إبن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال إبن عباس: مايقول عُرية ؟ «تصغير لعروة» قال: يقول نهى أبو أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال إبن عبّاس: أراهم سيهلكون أقول: قال النبي ويقولون نهى أبو بكر وعمر(2) .

وجاء في صحيح الترمذي إن عبدالله بن عمر سُئلَ عن متعة الحجّ، قال: هي حلال. فقال له السائل إن أباك قد نهى عنها. فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أأمر أبي أتبع أم أمر رسول الله ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(3) .

وأهل السنّة والجماعة أطاعوا عمر في متعة النساء وخالفوه في متعة الحج ـ على أن النهي عنهما وقع منه في موقف واحد كما قدمنا.

والمهم في كل هذا إن الآئمة من أهل البيت وشيعتهم خالفوه وأنكروا عليه وقالوا بحلّيتها إلى يوم القيامة.وهناك من علماء أهل السنّة والجماعة في ذلك أيضاً وأذكر من بينهم عالم تونس الجليل وزعيم الجامع الزيتوني فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه، فقد قال بحلّيتها في تفسيره المشهور عند ذكره آية فما إستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (4) .

(1) التفسير الكبير للفخر الرّازي في تفسير قوله تعالى فما إستمتعتم به منهن .

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 /337.

(3) صحيح الترمذي 1 /157.

(4) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 3 /5.


197

وهكذا يجب أن يكون العلماء أحراراً في عقيدتهم لا يتأثّرون بالعاطفة ولا بالعصبية ولا تأخذهم في الله لومة لائم

وبعد هذا البحث الموجز، لا يبقى لتشنيع أهل السنّة والجماعة وطعنهم على الشيعة في إباحتهم نكاح المتعة مبرر ولا حجة فضلاً عن إن الدّليل القاطع والحجّة الناصعة مع الشيعة

وللمسلم أن يتصوّر قول الإمان علي (عليه السَلام): بأنّ المتُعة رحمةٌ رحم الله بها عباده وفعلاً أية رحمة هي أكبر منها وهي تُطفي نار شهوة جامحة قد تتطغى على الإنسان ذكراً كان أم أنثى فيصبحُ كالحيوان المفترس.

وللمسلمين عامّة وللشبّان خاصّة أن يعرفوا بأنّ الله سبحانه أوجب على الزاني عقوبة القتل رجماً بالحجارةِ على المحصنين ذكوراً وأناثاً، فلا يمكن أن يترك عباده بغير رحمة وهو خالقهم وخالق غرائزهم ويعرف مايصلحهم، وإذا كان الله الرحمن الرحيم رَحم عباده بأنْ رخّص لهم في المتعة فلا يدخل في الزنا بعدها إلا الشقي تماماً كالحكم بقطع يد السّارق، فما دام هناك بيت للمال للمعوزين والمحتاجين، فلا يسرق إلاّ الشّقي.


198


199

القول بتحريف القرآن

هذا القول في حدّ ذاته شنيع لا يتحمّله مسلم آمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كان شيعياً أم سنياً.

لأّن القرآن الكريم تكفّل ربّ العزّة والجلالة بحفظه فقال عزّ من قائل إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون فلا يمكن لأحد أن يُنقّص منه أو يزيد فيه حرفاً واحداً وهو معجزة نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم الخالدة، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد.

والواقع العملي للمسلمين يرفض تحريف القرآن لأن كثيراً من الصحابة كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، وكانوا يتسابقون في حفظه وتحفيظه إلى أولادهم على مرّ الأزمنة حتّى يومنا الحاضر، فلا يمكن لإنسان ولا لجماعة ولا لدولة أن يُحرّفوه أو يبدّلوه ـ

ولو جُبناً بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً وفي كل بقاع الدنيا فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان. وإن إختلف المسلمون إلى مذاهب وفرق، وملل ونحل فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم ولا يختلف فيه من الأمّة إثنان، إلا ماكان من التفسير أو التأويل فكل حزب بما لديهم


200

فرحُون.

وما يُنْسبُ الى الشيعة إلى القول بالتحريف هو مجرّد تشنيع وتهويل وليس له في معتقدات الشيعة وجود.

وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب الله من كل تحريف.

يقول صاحب كتاب عقائد الإمامية الشيخ المظفّر: «نعتقد إنّ القرآن هو الوحي الإلهي المنزّل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم في تبيان كل شي، وهو معجزته الخالدة التي أعجزتْ البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما إحتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزّل على النبي ومن إدعي فيه غير ذلك فهو مخترف أو مغالط أو مشتبه، وكلهم على غير هدى فإنه كلام الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ (إنتهى كلامه).

وبعد هذا فكلّ بلاد الشيعة معروفة وأحكامهم في الفقه معلومة لدى الجميع، فلو كان عندهم قرآن غير الذي عندنا لعلمه الناس، وأتذكر أني عندما زرتُ بلاد الشيعة للمرة الأولى كان في ذهني بعض هذه الإشاعات، فكنت كلما رأيت مجلّداً ضخما تناولته علّني أعثر على هذا القرآن المزعوم، ولكن سرعان تبخر هذا الوهم، وعرفتُ فيما بعد إنها إحدى التشنيعات المكذوبة لينفروا الناس من الشيعة ولكن يبقى هناك دائماً من يُشنّع ويحتج على الشيعة بكتاب إسمه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربُ الأرباب» ومؤلفه محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي سنة 1329 هجري وهو شيعي ويريد هؤلاء المتحاملون أن يحمّلُوا الشيعة مسؤلية هذا الكتاب !وهذا مخالف للإنصاف.

فكم من كُتبٍ كتبت وهي لاتُعبّر في الحقيقة إلا عن رأي كاتبها ومؤلفها، ويكون فيها الغث والسمين وفيها الحق والباطل وتحمل في طياتها الخطأ والصواب ونجد ذلك عند كل الفرق الإسلامية ولا يختصّ بالشيعة دون سواها أفيجوز لنا


201

أن نُحمّل أهل السنّة والجماعة مسؤولية ماكتبه وزير الثقافة المصري وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بخصوص القرآن والشعر الجاهلي ؟

أو مارواه البخاري وهو صحيح عندهم، من نقص في القرآن وزيادة، وكذلك صحيح مسلم وغيره(1) .

ولكن لنضرب عن ذلك صفحاً ونقابل السيئة بالحسنة ولتعم ماقاله في هذا الموضوع الأستاذ محمد المديني عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية إذ كتب يقول:

«وأمّا إن الإمامية يعتقدون نقص القرآن فمعاذ الله وإنما هي روايات رُويْة في كتبهم، كما رُوي مثلها في كتُبنا، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيفوها، وبيّنوا بطلانها وليست في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك، كما إنه ليس في السنّة من يعتقده.

ويستطيع من شاء أن يرجع الى مثل كتاب الإتقان للسيوطي ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحا.

وقد ألّف أحد المصريين في سنة 1948مكتاباً أسمه «الفرقان» حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السّقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلا لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنّة، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بينّ بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فيه. فإستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرتْ الكتاب، ورفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاّ، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.

أفيقال إنّ أهل السنّة ينكرون قداسة القرآن ؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان ؟ أو لكتاب ألفه فلان ؟

(1) إذ إن كتاب (فصل الخطاب) لا يعدّ شيئاً عند الشيعة، بينما روايات نقص القرآن والزيادة فيه أخرجها صحاح أهل السنّة والجماعة أمثال البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد.


202

فكذلك الشيعة الإمامية إنما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات في بعض كتبنا، وفي ذلك يقول الإمام العلاّمة السعيد أبو الفضل بن الحسن الطبرسي من كبارعلماء الإمامية في القرن السادس الهجري في كتاب «مجمع البيانلعلوم القرآن».

«فأمّا الزياده فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية أهل السنة أنّ في القرآن تغييرا ونقصانا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدّس الله روحه، وإستوفى الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب «مسائل الطرابلسيات» وذكر في مواضع: أنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب فإنّ العناية إشتدّت والدّواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغتْ إلى حدّ لم تبلغهُ فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية التي عرفوا كل شيء أختلفَ فيه من إعرابه. وقراءاته، وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد»(1) .

وحتّى يتبينّ لك أيها القاريء إنّ هذه التّهمة، «نقص القرآن والزياده فيه» هي أقرب لأهل السنّة منها لأهل الشيعة، وذلك من الدّواعي التي دعتني الى أن أراجعُ كل معتقداتي لأنّي كلما حاولتُ أنتقاد الشيعة في شيء والإستنكار عليهم إلا وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي، عرفتُ أنهم يقولون صدْقاً وعلى مرّ الأيام ومن خلال البحث إقتنعتُ والحمد لله، وها أنا مقدم لك مايثبت ذلك في هذا الموضوع:

(1) مقال الأستاذ محمد المديني عميد كلية الشريعة في الجامع الأزهر مجلة رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة الحادية عشر ص 382 و383.


203

أخرج الطبراني والبيهقي

أن من القرآن سورتين ـ إحداهما هي:

بسم الله الرحمن الرحيم إنّا نستعينك ونستغفرك ونُثني عليك الخير كلّه ولا نكفُركَ ونَخلعُ ونتركُ من يفجرك.

والسورة الثانية هي:

بسم الله الرحمن الرحيم ـ اللّهم إياك نعبدُ ولك نُصلّي ونسجد إليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدّ إن عذابك بالكافرين ملحقُ.

وهاتان السّورتان سماهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت وهما مّما كان يقنتُ بهما سيدنا عمر بن الخطّاب وهما موجودتان في مصحف إبن عبّاس ومصحف زيد بن ثابت(1) .

أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.

عن أبي بن كعب قال: كم تقرأون سورة الأحزاب ؟ قال: بضعاً وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مثل البقرة أو أكثر منها وإن فيها آية الرّجم(2) .

وأنت ترى أيها القاريء اللّبيب، أن السّورتينّ المذكورتين في كتابي الإتقان والدر المنثور للسيوطي واللتين أخرجهما الطبراني والبيهقي واللتين تسميان بسورتي القُنوت لا وجود لهما في كتاب الله تعالى.

وهذا يعني أن القرآن الذي بين أيدينا ينقص هاتين السّورتين الثابتتين في مصحف إبن عباس ومصحف زيد بن ثابت كما يدّل أيضاً بأنّ هناك مصاحف أخرى غير التي عندنا، وهو يذكّرني أيضاً بالتشنيع على أنّ للشيعة مصحف فاطمة، فأفهم !

(1) جلال الدين السيوطي في الإتقان وكذلك في الدر المنثور.

(2) مسند الإمام أحمد إبن حنبل 5 / 132.


204

وأنّ أهل السنّة والجماعة يقرؤون هاتين السورتين في دعاء القنوت كل صباح وكنتُ شخصياً أحفضهما وأقرأ بهما في قنوت الفجر.

أمّا الرواية الثانية التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده والتي تقول بأن سورة الأحزاب ناقصة ثلاثة أرباع، لأن سورة البقرة فيها 286 آية بينما لا تتعدّى سورة الأحزاب 73 آية. وإذا إعتبرنا عدّ القرآن بالحزب فإن سورة البقرة فيها أكثر من خمسة أحزاب بينما لا تعد سورة الأحزاب إلا حزباً واحداً.

وقول أبي بن كعب: «كنتُ أقرأها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مثل البقرة أو أكثر» وهو من أشهر القرّاء الذين كانوا يحفظون القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي إختاره عُمر(1) ليُصلّي بالنّاس صلاة التراويح. فقوله هذا يبعث الشكّ والحيرة كما لا يخفى.

ـ وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(2) عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:

«إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقال فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، فقرأ فيها: «ولو أن إبن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً فلو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تابَ، وأن ذلك الدّين القيّمُ عند الله الحنفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره».

ـ وأخرج الحافظ بن عساكر في ترجمة أبي بن كعب إن أبا الدّرداء ركب الى المدينة في نفر من أهل دمشق فقرأ فيها على عمر بن الخطاب هذه الآية:

إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حَمُو لفسدَ المسجد الحرام فقال عمر بن الخطاب من أقرأكم هذه القراءة ؟ فقالوا:

(1) البخاري 2 /252.

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 /131


205

أبي بن كعب، فدعاه فقال لهم عمر إقرأوا، فرأوا: ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فقال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب، نعم أنا قرأتهم فقال عمر لزيد بن ثابت أقرأ يازيد، فقرأ زيد قراءة العامة فقال عمر: اللّهم لا أعرف إلا هذا ! فقال أبي بن كعب:

والله ياعمر إنّك لتعلمُ إنّي كنتُ أحْضر ويغيبون وأدنوا ويحجبون، وولله لئنْ أحْبْبتَ لألزمنّ بيتي فلا أحدث أحداً ولا أُقرأ أحداً حتّى أموت، فقال عمر اللّهم غفراً، إنّك لتعلم إن الله قد جعل عندك علماً فعلّم الناس مَاعلمتَ.

قال ومرّ عمر بغلام وهو يقرأ في المصحب:

النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم فقال: ياغلام حكها، فقال هذا مصحف أبي بن كعب فذهب إليه فسأله فقال له: إنّه كان يُلهيني القرآنُ ويُلهيكَ الصّفقُ بالأسواق(1) .

وروى مثل هذا إبن الأثير في جامع الأصول وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه.

وأترك لك أخي القاريء أنْ تُعلّقَ في هذه المرّة بنفسك على أمثال هذه الروايا التي ملأتْ كتب أهل السنّة والجماعة، وهم غافلون عنها ويشنّعون على الشيعة الذين لايجوجد عندهم عشر هذا.

ولكن لعلّ بعض المعاندين من أهل السنّة والجماعة ينفرُ من هذه الروايات فيرفضها كعادته وينكر على الإمام أحمد تخريجه مثل هذه الخرافات فيضعّف أسانيدها ويعتبر إن مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ليسا عند أهل السنة بمستوى صحيحي البخاري ومسلم، ولكن مثل هذه الروايات موجودة في صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضا.

(1) تاريخ دمشق للحافظ بن عساكر 2 /228.


206

فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه(1) في باب مناقب عمّار وحذيفة رضي الله عنهما عن علقمة قال: قدمتُ الشام فصلّيتُ ركعتين ثم قلتُ: اللّهم يسّر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً فجلستُ اليهم فإذا شيخٌ قد جاء حتّى جلس الى جنبي قلتُ من هذا ؟ قالوا: أبو الدرداء، قلتُ إنّي دعوتُ الله أن ييسرّ لي جليساً صالحاً فيسّرك لي، قال مّمنْ أنت، فقلتُ من أهل الكوفة، قال: أو ليس عندكم إبن أمّ عبدٍ صاحبُ النّعلين والوساد والمطهرة، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم، أوليس فيكم صاحبُ سرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لايعلمُ أحد غيرهُ، ثم قال كيف يقرأ عبدالله والليل إذا يغشى فرأت عليه والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى قال والله لقد أقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فيه الى فيَّ.

ثم زاد في روايى أخرى قال مازال بي هؤلاء حتّى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2) .

وفي رواية قال: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى قال: أقرئنيها النُّبي صلى الله عليه وآله وسلم من فاهُ الى فيَّ فما زال هؤلاء حتّى كادوا يردّوني(3)

فهذه الروايات كلّها تفيد بأن القرآن الذي عندنا زيد فيه كلمة «وما خلق».

ـ وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبن عباس إن عمر بن الخطاب قال: أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله

(1) صحيح البخاري 4 /215.

(2) صحيح البخاري 4 /216.

(3)صحيح البخاري 4 /218 (باب مناقب عبدالله بن مسعود).


207

صلّى الله علية وآله وسلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمانٌ أين يقول قائلٌ: والله مانجدُ آية الرّجم في كتاب الله فيضلّ بترك فضيلة أنزلها الله، والرّجمُ في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا أُحْصِنَ من الرّجال والنّساء إذا قامتْ البيّنة أو كان الحبل والإعتراف، ثم إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله إلا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفْراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم(1) .

ـ وأخرج الإمام مسلم في صحيحه(2) (في باب لو أن لإبن آدم واديين لأبتغى ثالثاً).

قال: بعث أبو موسى الأشعري الى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراءهم فأتلوه ولا يطولنّ عليكم الأمل فتقسوا قلوبكم كما قستْ قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنا نشبّهُها في الطّول والشدّة ببراءة فأنسيتها غير إني قد حفظت منها لو كان لأبن آدم واديان من مال لإبتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف إبن آدم إلاّ التّراب .

وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بحإدى المسبحات فأنسيتها غير إني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لما تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة (3) .

وهاتان السورتان المزعومتان اللتان نسيهما أبو موسى الأشعري إحداهما تشبه براءة يعني 129 آية والثانية تشبه إحدى المسبحات يعني عشرون آية. لاوجود لهما إلا في خيال أبي موسى، فإقرأ وأعجب فإني أترك لك الخيار ـ أيها الباحث المنصف.

فإذا كانت أهل السنةوالجماعة مسانيدهم وصحاحهم مشحونة بمثل

(1) صحيح البخاري 8 /26 (باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت).

(2 و 3) صحيح مسلم 3 /100 (باب لو إن لإبن آدم واديان لإبتغى ثالثاً.


208

هذه الروايات التي تدعي بأن القرآن ناقص مرّة،وزائد أخرى فلماذا هذا التشنيع على الشيعة الذين أجمعوا على بطلان هذا الإدعاء.

وإذا كان الشيعي صاحب كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» وهو المتوفي سنة 1320 هجرية كتب كتابه منذ مايقرب مائة عام، فقد سبقه السني في مصر صاحب كتاب «الفرقان» بما يقارب أربعة قرون كما أشار الى ذلك الشيخ محمد المدني عميد كلية الشريعة بالأزهر(1) .

والمهم في كل هذا إن علماء السنّة وعلماء الشيعة من المحققينقد أبطلوا مثل هذه الروايات وأعتبروها شاذة وأثبتوا بالأدلة المقنعة بأن القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي أنزل على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه ؤاله وسلّم وليس فيه زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.

فكيف شنع أهل السنة والجماعة على الشيعة من أجل روايات ساقطة عندهم، ويبرؤون أنفسهم، بينما صحاحهم تثبت صحة تلك الروايات ؟

وإني إذ أذكر مثل هذه الروايات بمرارة كبيرة وأسف شديد، فما أغنانا اليوم عن السكوت عنها وطيها في سلّة المهملات، لولا الحملة الشعواء التي شنها بعض الكتاب والمؤلفين ممن يدّعون التمسك بالسنة النبوية ومن ورائهم دوائر معروفة تمولهم وتشجعهم على الطعن وتكفير الشيعة خصوصا بعهد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران، فإلى هؤلاء أقول: إتقوا الله بإخوانكم، وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وإذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.

(1) رسالة الإسلام العدد الرابع من السنة الحادية عشر ص 382 و382.


209

الجمع بين الصلاتين

ومما يشنع به على الشيعة أيضاً جمعهم بين صلاة الظهر والعصر وبين صلاة المغرب والعشاء.

وأهل السنة والجماعة إذا يشنعون على الشيعة فإنهم يؤكدون في المقابل بأنهم يحافظون على الصلاة لأن الله سبحانه وتعالى يقول: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً .

وقبل أن نحكم لهم أو عليهم يجب علينا أن بحث في الموضوع من جميع جوانبه ونرى أقوال الطرفين:

أما أهل السنة والجماعة فهم متفقون على جواز الجمع بعرفه بين الظهر والعصر ويسمى جمع تقديم، وجواز الجمع بالمزدلفة وقت العشاء بينها وبين فريضة المغرب ويسمى جمع تأخير، وهذا مايتفق عليه كل المسلمون شيعة وسنة بل كل الفرق الإسلامية بدون إستثناء.

والخلاف بين الشيعة وأهل السنة هو في جواز الجمع بين الفريضتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في كل أيام السنة بدون عذر السفر.

أما الحنفية فيقولون بعدم الجواز حتى في السفر وذلك مع وجود النصوص


210

الصريحة بجوازه لا سيما في السفر وخالفوا بذلك أجماع الأمّة سنة وشيعة.

وأما المالكية والشافعية والحنبلية فيقولون بجواز الجمع بين الفريضتين في السفر، ويختلفون بينهم في جوازه لعذر الخوف والمرض والمطر والطين.

وأما الشيعة الإمامية فمتفقون على جوازه مطلقا في غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا خوف، وذلك إقتداء بما رووه عن أئمة أهل البيت من العترة الطاهرة (عليهم السلام).

وهنا يجب علينا أن نقف منهم موقف الإتهام والتشكيك، لأنه كلما أحتج أهل السنّة والجماعة عليهم بحجة، إلا ويردونها بأن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام علموهم وبينوا لهم كل ما أشكل عليهم ويفتخرون بأنهم يقتدون بإئمة معصومين يعلمون القرآن والسنة !

وأنا أتذكر في أول صلاة جمعت فيها بين الظهر والعصر كانت بإمامة الشهيد محمد باقر الصدر عليه رضوان الله إذ كنت وأنا في النجف أفرق بين الظهر والعصر حتى كان ذلك اليوم السعيد الذي خرجت فيه مع السيد محمد باقر الصدر من بيته إلى المسجد الذي يؤم فيه مقلديه الذين إحترموني وتركوا لي مكانا خلفه بالضبط ولما أنتهت صلاة الظهر وأقيمت صلاة العصر، حدثتني نفسي بالإنسحاب ولكن بقيت لسببين أولهما هيبة السيد الصدر وخشوعه في الصلاة حتى تمنيت أن تطول ـ وثانيهما وجودي في ذلك المكان وأنا أقرب المصلين إليه وأحسست بقوة قاهرة تشدني إليه ولما فرغنا من أداء فريضة العصر وإنهال عليه الناس يسألونه بقيت خلفه أسمع الأسئلة والإجابة عليها إلا ما كان خفيا، ثم أخذني معه الى بيته للغذاء وهناك وجدت نفسي ضيف الشرف، وإغتمنت فرصة ذلك المسجد فسألته عن الجمع بين الصلاتين.

ـ سيدي ! أيمكن للمسلم أن يجمع بين الفريضتين في حالة الضرورة ؟

قال: يمكن له أن يجمع بين الفريضتين في جميع الحالات وبدون ضرورة.

قلت: وما هي حجتكم ؟


211

قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الفريضتين في المدينة في غير سفر ولا خوف ولا مطر ولا ضرورة، وإنها فقط لدفع الحرج عنا، وهذا بحمد الله ثابت عندنا من طريق الأئمة الأطهار وثابت أيضا عندكم.

ـ أستغربت كيف يكون ثابتا عندنا ولم أسمع به قبل ذلك اليوم ولا رأيت أحدا من أهل السنة والجماعة يعمل به بل بالعكس يقولون ببطلان الصلة إذا وقعت حتى دقيقة قبل الآذان فكيف بمن يصليهما قبل ساعات مع الظهر، أو يصلي صلاة العشا مع المغرب فهذا يبدو عندنا منكرا وباطلا.

وفهم السيد محمد باقر الصدر حيرتي وإستغرابي وهمس إلى بعض الحاضرين فقام مسرعا وجاءه بكتتابين عرفت بأنهما صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكلف السيد ذلك الطالب بأن يطلعني على الأحاديث التي تتعلق بالجمع بين الفريضتين. وقرأت بنفسي في صحيح البخاري كيف جمع النبي صلى الله عليه ؤاله وسلم فريضة الظهر والعصر وكذلك فريضة المغرب والعشاء كما قرأت في صحيح مسلم باباً كاملاً في الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوف ولا مطر ولا سفر.

ولم أخف تعجبي ودهشتي وإن كان الشك داخلني بأن البخاري ومسلم اللذين عندهم قد يكونان محرفين وأخفي في نفسي أن أراجع هذين الكتابين في تونس.

وسألني السيد محمد باقر الصدر عن رأيي بعد هذا الدليل.

ـ قلت: أنتم على حق، وأنتم صادقون فيما تقولون، وبودي أن أسألكم سؤالاً آخر.

قال: تفضل.

قلت: هل يجوز الجمع بين الصلوات الأربع كما يفعل كثيرٌ من الناس عندنا لما يرجعوا في الليل يصلون الظهر والعصر والمغرب والعشاء قضاء.

قال هذا لا يجوز.


212

قلت: أنك قلت لي فيما سبق بأن رسول الله صلّى اللهعليه وآله وسلّم فرق وجمع وبذلك فهمنا مواقيت الصلاة التي إرتضاها الله سبحانه.

ـ قال: أن لفريضتي الظهر والعصر وقت مشترك ويبتديء من زوال الشمس الى الغروب، ولفريضتي المغرب والعشاء أيضا وقت مشترك ويبتديء من غروب الشمس الى منتصف الليل ولفريضة الصبح وقت واحد يبتديء من طلوع الفجر الى شروق الشمس فمن خالف هذه المواقيت يكون خالف الآية الكريمة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً فلا يمكن لنا مثلا أن نصلي الصبح قبل الفجر ولا بعد شروق الشمس كما لا يمكن لنا أن نصلي فريضتي الظهر والعصر قبل الزوال أو بعد الغروب كما لا يجوز لنا أن نصلي فريضتي الظهر والعصر قبل الزوال أو بعد الغروب كما لا يجوز لنا أن نصلي فريضتي المغرب والعشاء قبل الغروب ولا بعد منتصف الليل.

وشكرت السيد محمد باقر الصدر، وإن كنت إقتنعت بكل أقواله غير إني لم أجمع بين الفريضتين بعد مغادرته إلا عندما رجعت الى تونس وإنهمكت بالبحث وإستبصرت.

هذه قصتي مع الشهيد الصدر رحمة الله عليه في خصوص الجمع بين الفريضتين أرويها ليتبّين أخواني من أهل السنة والجماعة أولا، كيف تكون أخلاق العلماء اللذين تواضعوا حتى كانوا بحق ورثة الأنبياء في العلم والأخلاق.

وثانيا: كيف نجهل ما في صحاحنا ونشنع على غيرنا نعتقد نحن بصحتها، وقد وردت في صحاحنا.

فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(1) عن إبن عباس قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآليه وسلم في المدينة مقيما غير مسافر سبعاًوثمانياً.

وأخرج الإمام مالك في الموطأ(2) . عن إبن عباس قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف

(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 /221.

(2) موطأ الإمام مالك (شرح الحوالك) 1 /161


213

ولا سفرٍ.

وأخرج الإمام مسلم في صحيح(1) في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر قال: عن إبن عبّاس قال: صلّى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.

كما أخرج عن إبن عباس أيضاً قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين الظُهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوفٍ ولا مطرٍ ـ قال قلتُ لإبن عباس لِم فعل ذلك قال: كي لا يحرج أُمّتَهُ(2) .

ومّما يدّلك أخي القاريء أن هذه السنّة النبّوية كانتْ مشهورة لدى الصحابة ويعملون بها، مارواه مسلم أيضاً في صحيحه في نفس الباب قال: خطبنا إبن عباس يوما بعد العصر حتى غَرُبت الشمسُ وبدت النجوم وجعل النّاس يقولون الصّلاة الصلاّة، قال فجاءه رجل من بني تميم لايفترولا ينثني الصلاّة الصلاة فقال إبن عباس: أتعلمني بالسنّة لا أمٌ لك ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وفي رواية أخرى قال إبن عباس للرجل: لا أم لك أتعلّمنا بالصلاة وكّنا نجمعُ بين الصّلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(3) .

وأخرج الإمام البخاري في صحيحه(4) في باب وقت المغرب قال: حدّثنا آدم قال حدّثنا شعبة قال حدثنا عمرو إبن دينار قال سمعتُ جابر بن يزيد عن إبن عباس قال: صلّى النبي صلى الله عليه ؤآله وسلم سبعا جميعاً وثمانية جميعاً.

كما أخرج البخاري في صحيحه(5) في باب وقت العصر قال سمعتُ أبا

(1) صحيح مسلم 2 / 151 (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر)

(2) صحيح مسلم 2 /152.

(3)صحيح مسلم 2 / 153 (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر).

(4)صحيح البخاري 1 /140 (باب وقت المغرب).

(5)صحيح البخاري 1 / 138 (باب وقت العصر).


214

إمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبدالعزيز الظهر ثم خرجنَا حتّى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصرَ فقلتُ ياعمّ ماهذه الصّلاة التي صلّيت قال العصْرُ وهذه صلاة رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم التي كنْا نصلّي معه.

ومع وضوح هذه الأحاديث فإنك لا تزال تجد من يشنع بذلك على الشيعة، وقد حدث ذلك مرة في تونس، فقد قام الإمام عندنا في مدينة قفصة ليشنّع علينا ويُشهّر بنا وسط المصلّين قائلاً: أرأيتم هذا الدّين الذي جاؤوا به إنهم بعد صلاة الظهر يقومون ويصلّون العصر، إنه دين جديد ليس هو دين محمد رسول الله، هؤلاء يخالفون القرآن الذي يقول إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً وما ترك شيئاً إلا وشتم به المستبصرين.

وجاءني أحد المستبصرين وهو شاب على درجة كبيرة من الثقافة وحكي لي ماقاله الإمام بألم ومرارة، فأعطيته صحيح البخاري وصحيح مسلم وطلبت منه أن يطلعه على صحة الجمع وهو من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنني لا أريد الجدال معه فقد سبق لي أن جادلته بالتي هي أحسن فقابلني بالشتم والسب والتهم الباطلة ـ والمهم إن صديقي لم ينقطع من الصلاة خلفه فبعد إنتهاء الصلاة جلس ألإمام كعادته للدرس فتقدم إليه صديقي بالسؤال عن الجمع بين الفريضتين فقال: إنها من بدع الشيعة، فقال له صديقي: ولكنها ثابتة في صحيح البخاري ومسلم فقال له: غير صحيح فأخرج له صحيح البخاري وصحيح مسلم وأعطاه فقرأ باب الجمع بين الصلاتين ـ يقول صديقي فلما صدمته الحقيقة أمام المصلين الذين يستمعون لدروسه، أغلق الكتب وأرجعها إلي قائلا: هذه خاصة برسول الله وحتى تصبح أنت رسول الله فبإمكانك أن تصليها، يقول هذا الصديق فعرفت إنه جاهل متعصب وأقسمت من يومها أن لا أصلي خلفه(1) .

(1) يحكى أن رجلين خرجا للصيد ولقيا سواداً، بعيدا فقال الأول إنه غراب وعانده الثاني بأنه عنزة وتعاندا وأصر كل منهما على رأيه ولكنهما عندما إقتربا من السواد فإذا به غراب إنزعج وطار هاربا فقال الأول: ألم أقل لك بأنه غراب هل إقتنعت الآن ولكن صديقه أصر على رأيه وقال: سبحانه الله عنزة تطير ؟


215

بعد ذلك طلبت من صديقي بأن يرجع اليه ليطلعه على أن إبن عباس كان يصلي تلك الصلاة وكذلك أنس بن مالك وكثير من الصحابة فلماذا يريد هو تخصيصها برسول الله، أو لم يكن لنا في رسول الله إسوة حسنة ؟ ولكن صديقي إعتذر لي قائلا: لا داعي لذلك وإنه لا يقتنع ولو جاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وإنه والحمد لله وبعد أن عرف كثير من الشباب هذه الحقيقة وهي الجمع بين الصلاتين رجع أغلبهم الى الصلاة بعد تركها لأنهم كانوا يعانون من فوات الصلاة في وقتها ويجمعون الأوقات الأربعة في الليل فتمل قلوبهم، وأدركوا الحكمة في الجمع بين الفريضتين لأن كل الموظفين والطلبة وعامة الناس يقدرون على إداء الصلوات في أوقاتها وهم مطمئنون، وفهموا قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كي لا أحرج أمتي.


216


217

السجود على التربة

أجمع علماء الشيعة على القول بأفضلية السجود على الأرض لما يروونه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام قول جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفضل السجود على الأرض».

وفي رواية أخرى:

«لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض غير مأكول ولا ملبوس».

وقد روى صاحب وسائل الشيعة عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: السجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع، والخضوع لله عز وجل ـ وفي رواية أخرى عن محمد بن الحسن بإسناده عن إسحاق بن الفضل: إنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن السجود على الحصر والبواري المنسوجة من القصب فقال: لا بأس، وأن يسجد على الأرض أحب إلى، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب ذلك، أن يمكن جبهته من الأرض، فأنا أحب لك ما كان يحبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


218

أما علماء أهل السنة والجماعة فلا يرون بأساً في السجود على الزرابي والفرش وإن كان عندهم أفضلية في الحصر.

وهناك بعض الروايات التي يخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما تؤكد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له خمرة مصنوعة من سعف يسجد عليها فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحيض عن يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناوليني الخمرة من المسجد قالت فقلت أني حائض فقال: إن حيضتك ليست في يدك(1) (يقول مسلم: والخمرة هي السجادة الصغيرة مقدار ما يسجد عليها).

ومما يدلنا على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب السجود على الأرض، ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف في العشر الأواسط من رمضان فإعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج صبيحتها من إعتكافه قال: من كان إعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أمجد في ماء وطين من صبيحتها فلتسوها في العشر الأواخر والتمسوها بكل وتر فمطرت السماء في تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين(2) .

ومما يدلنا أيضا على إن الصحابة يفضلون السجود على الأرض. وذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه الإمام النسائي في سننه في باب تبريد الحصى للسجود عليه ـ قال: أخبرنا قتيبة قال حدثنا عباد عن

(1) صحيح مسلم 1 /168 (باب جواز غسل الحائض رأس زوجها).

سنن أبي داود 1 /68 (باب الحائض تناول من المسجد).

(2) صحيح البخاري 2 /256 (باب الإعتكاف في العشر الأواخر).


219

محمد بن عمرو عن سعيد بن الحرث عن جابر بن عبدالله قال: كنا نصلي مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الظهر فأخذ قبضة من حصى في كفي أبرده ثم حوله في كفه الآخر فإذا سجدت وضعته لجبهتي(1) .

أضف الى كل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

«جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»(2) .

وقال أيضاً:

«جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا»(3) .

فكيف يتعصب المسلمون ضد الشيعة لأنهم يسجدون على الأرض بدلا من السجود على الزرابي.

وكيف يصل بهم الأمر إلى تكفيرهم والتشنيع عليهم وقذفهم زورا وبهتانا بأنهم عباد الأصنام.

وكيف يضربونهم في السعودية لمجرد وجود التربة في جيوبهم أو في حقائبهم.

أهذا هو الإسلام الذي يأمرنا بإحترام بعضنا وعدم إهانة المسلم الموحد الذي يشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت وهل يعقل عاقل بأن الشيعي يتكبد تلك الأتعاب ويخسر تلك الخسائر ويأتي لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعبد الحجارة كما يحلو للبعض أن يصوروه ؟

أفلا يعتقد أهل السنة والجماعة بقول الشهيد محمد باقر الصدر الذي نقلته في كتابي الأول «ثم إهتديت» عندما سألته عن التربة فقال: نحن نسجد لله على (1) سنن الإمام النسائي 2 /204 (باب تبريد الحصى للسجود عليه).

(2) صحيح البخاري 1 /86 (كتاب التيمم).

(3)صحيح مسلم 2 /64 (كتاب المساجد ومواضع الصلاة).


220

الأرض، فهناك فرق بين السجود على التراب. والسجود للتراب !

وإذا كان الشيعي يحتاط ليكون سجوده طاهرا ومقبولا عند الله قيمتثل أوامر رسول الله والأئمة الأطهار من أهل البيت وخصوصا في زماننا هذا الذي أصبحت فيه كل المساجد مفروشة بالزرابي الوفيرة وفي البعض بما يسمى(moquette). وهي مادة مجهولة الصنع لدى عامة المسلمين ولن تصنع في بلاد إسلامية ولعل البعض منها فيها ما لا يجوز السجود عليه أفيحق لنا أن ننبذ هذا الشيعي الذي يهتم بصحة صلاته، ونتهمه بالكفر والشرك بمجرد شبهة زائفة ؟

والشيعي الذي يهتم بأمور دينه وبخصوصا بصلاته التي هي عمود الدين فتراه ينزع حزامه وينزع ساعته لأن فيها حزاما من الجلد الذي لا يعلم منشأه وفي بعض الأوقات ينزع سرواله الإفرنجي ليصلي في سروال فضاض كل ذلك إحتياطا وإهتماما بتلك الوقفة العظيمة بين يدي الله لكي لا يقابل ربه بشيء يكرهه، أيستحق هذا منا الإستهزاء والنفور، أم يستحق الإحترام والإكبار ؟ لأنه عظم شعائر الله ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .

ياعباد الله إتقوا الله وقولوا قولا سديداً.

ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم، إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لك به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (1) .

(1) سورة النور آية 15.


221

الرجعة (العودة الى الحياة)

هذه المسألة مما أختصت الشيعة بالقول بها، وأنا بحثت في كتب السنة فلم أجد لها أثر يذكر.

وهم يعتمدون في ذلك على أخبار وروايات رووها عن الأئمة الأطهار سلام الله عليهم في أن الله سبحانه وتعالى سيحيي بعض المؤمنين وبعض المجرمين المفسدين لينتقم المؤمنون من أعدائهم أعداء الله في الدنيا قبل الآخرة.

ولو صحت هذه الروايات وهي صحيحة ومتواترة عند الشيعة فلا تلزم أهل السنة والجماعة إذا لم يثقوا بصحتها، ومن ثم فإنهم غير ملزمين بوجوب الإعتقاد بها، لأن أئمة أهل البيت حدثوا بها عن جدهم صلى الله عليه وآله وسلم ! كلا لأنا ألزمنا أنفسنا بالإنصاف بالبحث وعدم التعصب، فلا نكلفهم إلا ما ألزموا به أنفسهم وأخرجوه في صحاحهم، ولأن روايات الرجعة لم ترد عندهم، فهم أحرارا في عدم الأخذ بها، ورفضها هذا في صورة ما إذا أراد أحد الشيعة أن يفرض عليهم تلك الروايات.

أما وأن الشيعة لم يفرضوا على أحد أن يقول بالرجعة ولا إنهم يقولون بكفر من يكذبها، فلا داعي لكل هذا التشنيع والتهويل على الشيعة سيما وأنهم


222

يفسرون بعض الآيات بنحو يوافق ذلك، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ ويوم نحشر من كل إمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (1) .

فقد جاء في تفسير القمي عن إبن أبي عمير عن حماد عن أبي عبدالله جعفر الصادق عليه السلام قال: ما يقول الناس في هذه الأية ويوم نحشر من كل إمة فوجا ؟ قلت: يقولون إنه في يوم القيامة: قال: ليس كما يقولون إنها في الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويدع الباقين ؟ إنما آية القيامة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (2) .

كما جاء بكتاب عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر قوله: أن الذي تذهب اليه الإمامية أخذاً بما جاء عن آل البيت عليهم السلام إن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدينا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقا ويذل فريقا آخر ويديل المحقّين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون من بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده الى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمني هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالإرتجاع فنالوا مقت الله، أن يخرجو ثالثا لعلهم يصلحون: قالوا ربنا أمتنا إثنتين وأحييتنا إثنتين وإعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (سورة المؤمن آية 11)(3) .

أقول إذا كان أهل السنة والجماعة لا يؤمنون بالرجعة فلهم كامل الحق: ولكن ليس من حقهم أن يشنعوا على من يقول بها، لثبوت النصوص عنده. فليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم ولا حجة للجاهل على العالم وليس عدم

(1) سورة النمل آية 83.

(2) سورة الكهف آية 47.

(3)كتاب عقائد الإمامية للمظفر ص 80 (العقيدة الثانية والثلاثون).


223

الإيمان بالشيء دليل على بطلانه فكم من حجة دامغة عند المسلمين لا يؤمن بها أهل الكتاب من يهود ونصارى.

وكم من إعتقادات وروايات عند أهل السنة والجماعة بخصوص الأولياء والصالحين وأصحاب الطرق الصوفية تبدوا مستحيلة ومنكرة ولكن لا تستدعي التشنيع والتهويل على عقيدة أهل السنة والجماعة.

وإذا كانت الرجعة لها سند في القرآن والسنة النبوية وهي ليست مستحيلة على الله الذي ضرب لنا أمثلة منها في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه (1) .

أو كقوله سبحانه وتعالى:

ألم تر إلى الذين خرجو من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (2) .

وقد أمات الله قوما من بني إسرائيل ثم أحياهم قال تعالى.

وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (3) .

وقال في أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم موتى أكثر من ثلاثمائة عام ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً (4) .

فهذا كتاب الله يحكي أن الرجعة وقعت في الأمم السابقة فلا يستحيل وقوعها في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخصوصا إذا روى ذلك أئمة أهل

(1) سورة البقرة آية 259.

(2) سورة البقرة آية 243.

(3)سورة البقرة آية 56.

(4)سورة الكهف آية 12.


224

البيت سلام الله عليهم. فهم الصادقون، العالمون.

أما قول بعض المتطفلين بأن القول بالرجعة هو القول بالتناسخ الذي يقول به بعض الملحدين.

فهو قول ظاهر الفساد والبطلان، ويقصدون من ورائه التشنيع والتهويل على الشيعة.

إذ إن القائلين بالتناسخ لا يقولون بأن الإنسان يرجع الى الدنيا بجسمه وروحه وصورته وكنهه.

إنما يقولون بأن الروح تنتقل من إنسان مات إلى جسد إنسان آخر يولد من جديد أو حتى إلى حيوان.

وهذا كما نعلم بعبد كل البعد عن عقيدة المسلمين القائلين بأن الله يبعث من في القبور بأجسامهم وأرواحهم.

فليست الرجعة من التناسخ في شيء وهو قول الجهلة الذين لا يفقهون أو المغرضين غير الورعين.


225

الغلو (في حب الأئمة)

لانقصد بالغلو هنا هو الخروج عن الحق وإتباع الهوى حتى يصبح المحبوب هو الآله المعبود فهذا كفر وشرك لا يقول به أي مسلم يعتقد برسالة الأسلام ونبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وقد وضع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم حدودا لهذا الحب عندما قال للإمام علي عليه السلام:

«هلك فيك إثنان محب غال ومبغض غال».

وقوله صلّى الله عليه وآله وسلم:

«ياعلي إن فيك مثلا من عيسى بن مريم أبغضته اليهود حتى بهتوا أمة، وأحبه النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها»(1) .

(1) مستدرك الحاكم 3 /123 تاريخ دمشق لإبن عساكر 2 /234.

التاريح الكبير للبخاري 2 /281 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 173.

خصائص النسائي ص 27 ذخائر العقبى ص 92 ـ الصواعق المحرقة لإبن بحر ص 74.


226

وهو المعنى المرفوض للغلو أن يطغى الحب حتى يؤلّه المحبوب وينزله منزلة ليس فيها أو أن يطغى البغض حتى يصل إلى درجة البهت والإتهام الباطل.

والشيعة في حب علي والأئمة من ولده لم يغالوا بل أنزلوهم المنزلة المعقولة التي بوأهم فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهي إنهم أوصياء النبي وخلفاؤه ولم يقل أحد بنبوتهم فضلا عن ألوهيتهم، ودع عنك قول المشاغبين الذين يدعون بأن الشيعة ألهوا عليا وقالوا بربوبيته فهؤلاء إن صح الخبر لم يكونوا فرقة ولا مذهبا ولا شيعة ولا خوارج.

فما هو ذنب الشيعة إذا كان رب العزة والجلالة يقول: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى والمودة كما هو معلوم أكبر من الحب وإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإن المودة تفرض عليك أن تحرم نفسك من شيء لتود به غيرك».

وما هو ذنب الشيعة إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول:

«ياعلي أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني وحبيبك حبيب الله وبغيضك بغيض الله والويل لمن أبغضك»(1) .

ويقول أيضاً:

«حب عليٌّ إيمان وبغضه نفاق»(2) .

ويقول:

«من مات على حب آل محمد مات شهيدا، إلا ومن مات على حب

(1) مستدرك الحاكم 3 /128 قال حديث صحيح على شرط الشيخين نور الأبصار للشبلنجي ص 73 ينابيع المودة ص 205 الرياض النضرة 2 /165.

(2) صحيح مسلم 1 /48 ـ الصواعق المحرقة ص 73 كنز العمال 15 /105.


227

آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة …»(1) .

وما هو ذنب الشيعة إذا كانوا يحبون رجلا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«غداً لأعطين رايتي إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»(2) .

فيجيب علي هو حبيب الله ورسوله وهو مؤمن وبغيض علي هو بغيض الله ورسوله وهو منافق.

وقد قال الإمام الشافعي في حبه.

يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم الفضل إنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له وقد قال فيهم وفي حبهم الفرزدق في ميميته المشهورة.

من معشر حبهم دين وبغضهمكفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهمأو قيل من خير أهل الأرض قيل هم فالشيعة أحبوا الله ورسوله، وحبهم لله ورسوله هو الذي فرض حب أهل البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين والأحاديث في هذه المعنى كثيرة لا تحصى وقد أخرجها علماء أهل السنة والجماعة في صحاحهم وقد ذكرنا البعض منها دوما للإختصار.

وإذا كان حب علي وأهل البيت بصفة عامة هو حب لرسول الله صلى الله

(1) تفسير الثعلبي «الكبير» في آية المودة وكذلك تفسير الزمخشري «الكشاف» تفسير الفخر الرازي 7 /405 ـ إحقاق الحق للتستري 9 /486.

(2) صحيح البخاري 4 /20 و5 /76.

(3) صحيح مسلم 7 /120 (فضائل علي بن أبي طالب).


228

عليه وآله وسلم فعلينا أ نعرف مدى هذا الحب المطلوب من المسلمين حتى نعرف أن كان هناك غلو كما يزعمون.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»(1) .

وعلى هذا الأساس فلا بد أن يحب المسلم عليا وأولاده الأئمة الطاهرين أكثر من الناس أجمعين بما في ذلك الأهل والاولاد ولا يتم الإيمان إلا بذلك لأن رسول الله قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه … الحديث.

فالشيعة أذن لا يغالون وإنما يعطون كل ذي حق حقه وقد أمرهم رسول الله أن ينزلوا عليا بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة العينين من الرأس فهل هناك من الناس من تنازل عن عينيه أو عن رأسه ؟

ولكن في المقابل هناك مغالاة عند أهل السنة والجماعة في حب الصحابة وتقديسهم في غير محله وإنما يبدوا إنها رد فعل على الشيعة الذين لم يقولوا بعدالة الصحابة أجمعين وكان الأمويون يرفعون من شأن الصحابة ويحطون من قيمة وشأن أهل البيت النبوي حتى إذا صلوا على محمد وآله أضافوا إليهم، وعلى أصحابه أجمعين لأن في الصلة على أهل البيت فضل لم يسبقه سابق ولا يلحقه لاحق فأرادوا أن يرفعوا الصحابة الى تلك الدرجة العلية وغفلوا عن أن الله سبحانه أمر المسلمين وعلى رأسهم الصحابة أجمعين أن يصلوا على محمد وعلي وفاطمة والحسنين ومن لم يصل عليهم فصلاته مردودة لا يقبلها الله إذا إقتصرت على محمد وحده كما هو ثابت في صحيح البخاري ومسلم.

وإذا قلنا بأنه غلو في الصحابة ذلك لأن أهل السنة يتعدون حدود المنطق

(1) صحيح البخاري 1 /9 (باب حب الرسول من الإيمان).

صحيح مسلم 1 /49 (باب وجوب محبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين) وكذلك في صحيح الترمذي.


229

عندما يقولون بعد التهم أجمعين وقد شهد الله ورسوله بأن فيهم الفاسقين والمارقين والقاسطين والمنافقين.

والغلو ظاهر عندما يقولون بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يخطيء ويصوبه صحابي. أو أن الشيطان يلعب ويمرح بحضرة النبي ولكنه يهرب من عمر، والغلو واضح في قولهم لو أصاب الله المسلمين بمصيبة بما فيهم رسول الله، لم يكون ينج منها إلا أبن الخطاب، والغلوا أوضح في إلغائهم لسنة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وإتباع سنة الصحابة وبالخصوص الخلفاء الراشدين وقد أوقفناك على البعض من ذلك وإذا أردت المزيد فعليك بالبحث والتأمل للوقوف على مزيد من هذه المفارقات.


230


231

المهدي المنتظر

وهو أيضاً من المواضيع التي يشنع بها أهل السنة والجماعة على الشيعة وذهب البعض منهم إلى حد السخرية والإستهزاء، إذ إنهم يستبعدون أو قل يعتقدون إستحالة أن يبقى بشر طيلة إثني عشر قرناً حياً وخفياً عن أنظار الناس حتى قال بعض الكتاب المعاصرين «بأن الشيعة إختلقوا فكرة الإمام الغائب الذي سينقذذهم وذلك مالاقوه من ظلم الحكام وجورهم على مر الأزمان، فسلوا أنفسهم بأمنية المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا وينتقم لهم من أعدائهم».

وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة وبعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران عن المهدي المنتظر فأصبح المسلمون وبالخصوص الشباب المثقف في كل مكان يتساءلون عن حقيقة المهدي، وهل هي حقيقة ولها وجود في العقائد الإسلامية أم هو من مختلقات الشيعة ؟

ورغم ماكتبه علماء الشيعة قديماً وحديثاً(1) بخصوص المهدي من موسوعات وأبحاث، ورغم إتصال كثير من السنيين بإخوانهم من الشيعة في مؤتمرات عديدة ومحادثات في شتى المواضيع العقائدية، يبقى هذا الموضوع من

(1) كالشهيد محمد باقر الصدر في كتابه «بحث حول المهدي».


232

الألغاز عند الكثير منهم، لأنهم ما تعودوا سماع أمثال هذه الروايات.

فما هي حقيقة المهدي المنتظر في العقائد الإسلامية ؟ والبحث في هذا الموضوع ينقسم إلى قسمين: ـ

القسم الأول يتعلق بالبحث عن المهدي من خلال الكتاب والسنة.

والقسم الثاني يتعلق بالبحث عن حياته وغيبته وظهوره.

أما في البحث الأول: فالشيعة والسنة متفقون على أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بشر به وأعلم أصحابه بأنه سيظهره الله سبحانه وتعالى في آخر الزمان، وقد أخرج أحاديث المهدي عليه السلام كل من الشيعة والسنة وفي صحاحهم ومسانيدهم.

وأنا بدوري وكالعادة حسبما تعهدت به في كل أبحاث الكتاب لا أستدل إلا بما هو ثابت وصحيح عن أهل السنة والجماعة.

فقد جاء في سنن أبي داود(1) .

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:

(لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا من أهل بيتي يواطىء إسمه إسمي، وإسم إبيه إسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا».

وجاء في سنن إبن ماجة(2) :

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«إنا أهل بيت إختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء شديدا، وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات

(1) سنن أبي داود 2 /422.

(2) سنن إبن ماجه ج2 رقم الحديث 4082 و 4087.


233

سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينتصرون، فيعطون ماسألوا: فلا يقبلونه، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملئت جورا».

وقال إبن ماجه في سننه:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«المهدي منا أهل البيت، المهدي من ولد فاطمة».

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«يكون في أمتي المهدي، إن قصر فسبع، وإلا فتسع تنعم فيها أمتي نعمة لن تنعم مثلها قط تأتي أكلها، ولا تدخر منه شيئاً والمال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يامهدي أعطيني فيقول: خذ»(1) .

وجاء في صحيح الترمذي(2) :

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«يلي رجل من أهل بيتي يواطىء أسمه إسمي، ولم لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتّى يلي».

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطىء أسمه أسمي».

وأخرج الإمام البخاري في صحيحه(3)

قال: حدثنا بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن إبن شهاب عن نافع

(1) سنن إبن ماجة ج 2 رقم الحديث 4086.

(2) الجامع افلصحيح للترمذي 9 /74 ـ 75.

(3)صحيح البخاري 4 /143 (باب نزول عيسى بن مريم).


234

مولى أبي قتادة الأنصاري إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: كيف أنتم إذا نزل إبن مريم فيكم وإمامكم منكم.

وقال صاحب غاية المأمول: إشتهر بين العلماء سلفا وخلفا إنه لا بد من ظهور رجل من أهل البيت في آخر الزمان يسمى المهدي، وقد روي أحاديث المهدي جماعة من خيارالصحابة وأخرجها أكابر المحدثين: كأبي داود، والترمذي، وإبن ماجة والطبراني وأبي يعلى، والبزاز، والإمام أحمد بن حنبل، والحاكم رضي الله عنهما أجمعين، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها.

قال الحافظ في فتح الباري: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأئمة وإن عيسى إبن مريم سينزل ويصلي خلفه»(1)

وقال إبن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة: والأحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة متواترة(2) .

وقال الشوكاني في رسالتة المسماة «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح» وبعد سرده أحاديث المهدي قال: «وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل إطلاع».

وقال الشيخ عبدالحق في اللمعات:

«قد تظافرت الأحاديث البالغة حد التواتر في كون المهدي من أهل البيت من أولاد فاطمة»(3) .

وقال الصبان في كتابه إسعاف الراغبين:

«وقد تواترت الأخبار عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بخروجه وإنه من

(1) فتح الباري 5 /362.

(2) الصواعق المحرقة لإبن حجر 2 /211.

(3)حاشية صحيح الترمذي 2 / 46.


235

أهل البيت، وإنه يملأ الأرض عدلا»(1) .

وقال السويدي في كتابه المسمى «سبائك الذهب»:

«الذي إتفق عليه العلماء إن المهدي هو القائم في آخر الوقت وإنه يملأ الأرض عدلا، والأحاديث في ظهوره كثيرة»(2) .

وقال إبن خلدون في مقدمته:

«إعلم إن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار إنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويسمى بالمهدي»(3) .

كما أخرج أحاديث المهدي من المعاصرين مفتي الإخوان المسلمين السيد سابق في كتابه «العقائد الإسلامية» وإعتبر أن فكرة المهدي من العقائد الإسلامية التي يجب التصديق بها.

وكتب الشيعة أيضاً أخرجت أحاديث المهدي على كثرتها حتى قيل إنه لم يَرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مما روي عنه في أحاديث المهدي.

وقد إستخرج الباحث لطف الله الصافي في موسوعته «منتخب الأثر» أحاديث المهدي عليه السلام من أكثر من ستين مصدرا من كتب أهل السنة والجماعة من ضمنها الصحاح الستة وأكثر من تسعين مصدرا من كتب الشيعة من ضمنها الكتب الأربعة.

أما بخصوص البحث الثاني والذي يتعلق بولادة المهدي وحياته وغيبته وعدم وفاته عليه السلام فهذا القسم أيضا لم ينكره بعض علماء أهل السنة الذين لا يستهان بهم، والذين يعتقدون بأن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري

(1) إسعاف الراغبين 2 /140

(2) سبائك الذهب ص 78.

(3)مقدمة إبن خلدون ص 367.


236

الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، ولد، وإنه لا يزال حيا وسيظهر في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطا وعدلا وينصر الله به دينه، وهم بذلك يوافقون أقوال الشيعه الإمامية، ومن هؤلاء: 1 ـ محيي الدين بن العربي في فتوحاته المكية.

2 ـ سبط إبن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص.

3 ـ عبدالوهاب الشعراني في كتابه عقائد الأكابر.

4 ـ إبن الخشاب في كتابه واريخ مواليد الأئمة ووفياتهم.

5 ـ محمد البخاري الحنفي في كتابه فصل الخطاب.

6 ـ أحمد بن إبراهيم البلاذري في كتابه الحديث المتسلسل.

7 ـ إبن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة.

8 ـ العارف عبدالرحمن في كتابه مرآة الأسرار.

9 ـ كما الدين بن طلحة في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول.

10 ـ القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة.

ولو تتبع الباحث لوجد في علماء السنة والجماعة أضعاف من ذكرنا يقولون بولادة المهدي وبقائه حياً حتى يظهره الله تعالى.

وبعد هذا لم يبق معنا من أهل السنة والجماعة إلا المنكرون بولادته وبقائه حياً، بعد إعترافهم بصحة الأحاديث.وهؤلاء ليسوا حجة على غيرهم من القائلين بها.

والقرآن الكريم لا ينفي مثل هذا الإفتراض، وكم ضرب الله من مثل على ذلك لأهل العقول الجامدة لكي يتحرروا ويطلقوا العنان لأفكارهم وعقولهم حتى تستيقن وتسلم بأن الله سبحانه قادر على كل شيء.

لذا فإن المسلم الذي يملأ الإيمان قلبه فلا يستغرب أن يميت الله عزيزا مائة عام، ثم يبعثه فينظر الى طعامه وشرابه لم يتسنه، وإلى حماره كيف ينشز الله عظامه ويكسوها لحما فيرجع كما كان بعد أن كانت عظامه رميما فلما تبين له قال:


237

إعلم أن الله على كل شيء قدير. سبحان الله ما أسرع تحوله، بينما قبل الحادثة إستغرب وإستبعد عند مروره على قرية خاوية على عروشها. قال أنى يحيي الله هذه بعد موتها ؟؟

والمسلم الذي يصدق القرآن الكريم لا يستغرب أن يقطع سيدنا إبراهيم الطير ويبعثر أجزاءه وأشلاءه على الجبال ثم يدعوهن فيأتينه سعيا.

والمسلم لايستغرب أن تصبح النار باردة فلا تحرق ولا تؤذي سيدنا إبراهيم عندما ألقي فيها فقال لها الله يانار كوني بردا وسلاما

والمسلم لايستغرب بأن سيدنا عيسى ولد من غير نطفة الذكر أي من غير أب. وإنه حي لم يمت وسيعود إلى الأرض.

والمسلم لا يستغرب بأن سيدنا عيسى كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص والأعمى ولا يستغرب أن ينغلق البحر لسيدنا موسى ولبني إسرائيل فيمشوا فيه بدون بلم وتنقلب عصاه ثعبانا ويحول ماء النيل إلى دم.

كذلك فإن المسلم لا يستغرب أن سيدنا سليمان كان يتكلم مع الطير ومع الجن ومع النمل ويحمل عرشه على بساط الريح ويستقيم عرش بلقيس في لحظات.

ولا يستغرب بأن الله أمات أصحاب الكهف ثلاثة قرون وإزداوا تسعا ثم بعثهم فكان حفيد الحفيد أكبر سنا من جد الجد.

ولايستغرب بأن سيدنا الخضر عليه السلام حي لم يمت وقد إلتقى مع سيدنا موسى عليه السلام.

ولا يستغرب بأن إبليس لعنه اله حي لم يمت وهو مخلوق قبل آدم عليه السلام، وما زال يواكب مسيرة البشر من أول خلقته إلى يوم فنائه، ومع ذلك فهو مخفي لم ولن يراه أحد رغم أعماله الشنيعة وأفعاله الذميمة، وهو يرى كل الناس.


238

إن المسلم يؤمن بكل هذا ولا يستغرب وقوعه،أفيستغرب وجود المهدي مخفيا لفترة من الزمان لحكمة يريدها الله سبحانه

فكل ماذكره القرآن وهو أضعاف ماذكرنا في هذه العجالة ليس هو مما جرت به العادة ولا هو معهود إلى الناس ولا يقدرون عليه ولو إجتمعوا له.

وإنما هو من صنع الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ويصدق به المسلمون بأنهم آمنوا بكل ماجاء في القرآن الكريم وبدون إستثناء وبدون تحفظ.

على أن الشيعة هم أدرى بأمور المهدي عليه السلام لأنه إمامهم وقد عاصروه وعاشوا معه ومع آبائه، وأهل مكة أدرى بشعابها.

والشيعة يحترمون أئمتهم ويعظمونهم وقد إتخذوا الأئمة أهل البيت قبورا شيدوها وإلتزموا بزيارتها والتبرك بها، فلو كان الإمام الثاني عشر وهو المهدي سلام الله عليه قد توفي لكان له قبر معروف، ولأمكنهم أن يقولوا بجواز بعثه بعد الموت ما دام هذا الأمر ممكنا كما ذكره القرآن الكريم وخاصة إنهم يقولون «بالرجعة».

بل تراهم يصرون على أن المهدي سلام الله عليه حي يرزق وهو مخفي لحمة أرادها الله سبحانه وتعالى قد يعرفها الراسخون في العلم وأولياءهم.

وهم يدعون في صلواتهم أن يعجل الله فرجه الشريف لأن في ظهوره عز المسلمين وسعادتهم وإنتصارهم ولأن به يتم الله نوره ولو كره الكافرون.

على أن الخلاف بين السنة والشيعة في أمر المهدي عليه السلام ليس هو خلاف جوهري ماداموا يعتقدون بظهوره في آخر الزمان، وإن عيسى عليه السلام يصلي خلفه، وإنه سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ويملك المسلمون الأرض كلها في زمانه ويعم الرجاء حتى لا يبقى فقير.

ويبقى الخلاف فقط في قول الشيعة بولادته وفي قول السنة بأنه سيولد،


239

ويجتمع قول الفريقين على ظهوره في آخر الزمان

فليتوحد السنة والشيعة على كلمة الحق وعلى جمع شمل الأمة الممزقة ولم شتاتها وليدعوا الله جميع المخلصين في دعائهم وفي كل صلواته بأن يعجل ظهوره لأن في ظهوره الفرج والنصر لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

محمد التيجاني السماوي


240


241

المصادر

كتب التفسيــــــــــــــــر

1 ـ القرآن الكريم

2 ـ تفسير الطبري

3 ـ تفسير إبن كثير

4 ـ تفسير القرطبي

5 ـ تفسير الجلالين

6 ـ التفسير الكبير للفخر الرازي

7 ـ تفسير المنار محمد عبده

8 ـ تفسير النّسفي

9 ـ تفسير الخازن

10 ـ تفسير الكشاف للزمخشري

11 ـ تفسير الحاكم الحسكاني

12 ـ تفسير النيسابوري

13 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي

14 ـ زاد المسير في علم التفسير لإبن الجوزي

15 ـ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني

16 ـ تفسير الفتح القدير للشوكاني


242

17 ـ التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي

18 ـ أسباب النزول للإمام الواحدي

19 ـ أحكام القرآن للجصاص

20 ـ التفسير الكبير للثعلبي

21 ـ نزول القرآن للحافظ أبو نعيم

22 ـ مانزل من القرآن في علي أبو نعيم الأصبهاني

23 ـ مقدمة أصول التفسير لإبن تيمة

24 ـ تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي

كتب الحديث

1 ـ صحيح البخاري

2 ـ صحيح مسلم

3 ـ صحيح الترمذي

4 ـ صحيح إبن ماجه

5 ـ سنن أبي داود

6 ـ سنن النسائي

7 ـ مسند الإمام أحمد

8 ـ موطأ الإمام مالك

9 ـ مستدرك الحاكم

10 ـ كنز العمال

11 ـ سنن الدارمي

12 ـ سنن البيهقي

13 ـ الجمع بين الصحاح الستة

14 ـ سنن الدار قطني

15 ـ جمع الجوامع للسيوطي

16 ـ منهاج السنة لإبن تيمة


243

17 ـ مجمع الزوائد للهيثمي

18 ـ كنوز الحقائق للمناوي

19 ـ جامع الأصول لإبن الأثير

20 ـ فتح الباري في شرح البخاري

كتب التاريخ

1 ـ تاريخ الأمم والملوك للطبري

2 ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي

3 ـ تاريخ الكامل لإبن اتلأثير

4 ـ تاريخ دمشق لإبن عساكر

5 ـ تاريخ المسعودي (مروج الذهب)

6 ـ تاريخ اليعقوبي

7 ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي

8 ـ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي

9 ـ تاريخ أبي الفداء

10 ـ تاريخ إبن الشحنة

11 ـ تاريخ إبن كثير

12 ـ التاريخ الكبير لمحمد البخاري

13 ـ الإمامة والسياسة لإبن قتيبة

14 ـ العقد الفريد لإبن عبد ربه

15 ـ الطبقات الكبرى لإبن سعد

16 ـ تاريخ إبن خلدون

17 ـ شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد

كتب السيرة

1 ـ سيرة إبن هشام


244

2 ـ الإصابة في تميز الصحابة

3 ـ السيرة الحلبية

4 ـ أسد الغابة في مهرفة الصحابة

5 ـ السيرة الدحلانية

6 ـ الرياض النضرة للطبري

7 ـ الإستيعاب

8 ـ حياة محمد لمحمد حسنين هيكل

9 ـ المعارف لإبن قتيبة

10 ـ أنساب الأشراف للبلاذري

11 ـ حلية الأولياء لأبي نعيم

12 ـ الفتنة الكبرى لطه حسين

كتب مختلفة

1 ـ الصواعق المحرقة لإبن حجر

2 ـ الفتوحات المكية لإبن عربي

3 ـ الصلة بين التصوف والتشيع للشيبي

4 ـ عقائد الأكابر للشعواني

5 ـ خصائص أمير المؤمنين للنسائي

6 ـ تواريخ مواليد الأئمة لإبن الخشاب

7 ـ الملل والنحل للشهرستاني

8 ـ فصل الخطاب محمد البخاري

9 ـ دلائل الإمامة للطبري

10 ـ الحديث المتسلسل للبلاذري

11 ـ بلاغات النساء لإبن طيغور

12 ـ مرآة الأسرار العارف عبدالرحمن

13 ـ أعلام النساء لعمر رضا كحالة


245

14 ـ إحقاق الحق للتستري

15 ـ كفاية الطالب للكنجي الشافعي

16 ـ شرح المواهب للزرقاني

17 ـ الإزدهار فيما عقده الشعراء من الأشعار للسيوطي

18 ـ سير أعلام النبلاء للذهبي

19 ـ الولاية لإبن جرير الطبري

20 ـ سر العالمين لأبي حامد الغزالي

21 ـ تذكرة الخواص لإبن الجوزي

22 ـ إحياء علوم الدين للغزالي

23 ـ تذكرة السبط لإبن الجوزي

24 ـ مطالب السؤول لإبن طلحة الشافعي

25 ـ إرشاد الساري للقسطلاني

26 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي

27 ـ نور الإبصار للشبلنجي

28 ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة

29 ـ ربيع الأبرار للزمخشري

30 ـ الفصول المهمة لإبن الصباغ

31 ـ شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده

32 ـ التلخيص للذهبي

33 ـ المعجم الصغير والمعجم الكبير للطبراني

34 ـ الجامع الصغير والجامع الكبير للسيوطي

35 ـ البداية والنهاية لإبن كثير

36 ـ إسعاف الراغبين

37 ـ مناقب علي بن أبي طالب لإبن الغزالي

فهرست آيات
لا يمسّه إلا المطهّرون14
فلولا نَفر من كل فرقة منهم آية طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلّهم يحذرون20
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون 37
فاخذناه وجنوده فنبذناهم في أليمّ فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون الى النّار ويوم القيامة لا ينُصرون، وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة هم من المقبوحين 37
أفإن مات أو قتل إنقلبتُم على أعقابكم104
ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرّسول إن كنتُم تُؤمنُون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً 115
يومَ تُقلَّبُ وجوههم في النّار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا ربّنا إنّا أطعنا سَادتنا وكُبرآءنَا فأضلّونَا السبيلا، ربّنا أءتهم ضعفين من العذاب وألعنهم لعناً كبيراً 128
كلّما دخلتْ أمّة لعنتْ أختها حتّى إذا إدّاركوا فيها جميعاً قالتْ آخراهم لأوُلاهم، ربّنا هؤلاءِ أضلّونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النّار، قالَ لكلّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون 128
ولو شاء ربّك ما فعلوه148
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم على إنها خاصّة في أهل الكتاب150
إلا أنْ تتّقوا منهم تقاة قال: التقاة هي التكلّم باللسان والقلب مطمئن بالإيمان184
من كفر بالله … 185
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله186
إلا أن تتّقوا منهم تقاة يقتضي جواز إظهار الكفر عند التقية186
ويوم نحشر من كل إمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون 222
أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها223
فهرست اشعار
يناديهم يوم الغدير نبيّهم    =   بخمّ فأسمع بالرسول مناديا 77